و نظير الروايتين في عدم الانطباق على الآية ما روي عن ابن عباس: في قوله:"و اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة"قال: فلم يعطها موسى قال:"عذابي أصيب به من أشاء إلى قوله المفلحون"والمراد أنه لم يعطها بل أعطيتها هذه الأمة وقد مر أن ظهور الآية في غير ذلك.
ونظير ذلك ما روي عن السدي: في قوله تعالى:"إن هي إلا فتنتك"الآية قال: قال موسى: يا رب إن هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أ رأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: أنا ، قال: فأنت إذا أضللتهم ، وروى العياشي في تفسيره ، مثله عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) مرسلا ، وفيه: قال موسى: يا رب ومن أخار العجل؟ قال: أنا. قال موسى عنده: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء. وذلك أن الآية أعني قوله:"إن هي إلا فتنتك"من كلامه (عليه السلام) في قصة هلاك السبعين ، وأين هي من قصة العجل؟ إلا أن يتكرر منه ذلك وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد وأبو داود عن جندب بن عبد الله البجلي قال جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلى خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لقد حظرت رحمة واسعة إن الله خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها ، وعنده تسعة وتسعون. وفيه ، أخرج أحمد ومسلم عن سلمان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن لله مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وآخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة. وفيه ، أخرج ابن أبي شيبة عن سلمان موقوفا وابن مردويه عن سلمان قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فأهبط منها رحمة إلى الأرض فبها تراحم الخلائق ، وبها تعطف الوالدة على ولدها ، وبها تشرب الطير والوحوش من الماء ، وبها تعيش الخلائق فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثم أفاضها على المتقين ، وزاد تسعة وتسعين رحمة ثم قرأ:"و رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون". أقول: وهذا المعنى مروي أيضا من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، والرواية الثانية كأنها نقل بالمعنى للرواية الأولى ، وقد أفسد الراوي المعنى بقوله:"فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه"وليت شعري إذا سلب الرحمة عن غير المتقين من خلقه فبما ذا يبقى ويعيش السماوات والأرض والجنة والنار ومن فيها والملائكة وغيرهم ولا رحمة تشملهم.
والأحسن في التعبير ما ورد في بعض رواياتنا - على ما أذكر - أن الله يومئذ يجمع المائة للمؤمنين ، وجمع المائة لهم واستعمالها فيهم غير انتزاعها عن غيرهم وتخصيصها بهم فالأول جائز معقول دون الثاني فافهم ذلك.
وفيه ، أخرج الطبراني عن حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث: والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول بها إبليس رجاء أن تصيبه. أقول: ومن طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما في معناه.
وفيه ، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال: لما نزلت"و رحمتي وسعت كل شيء"قال إبليس: يا رب وأنا من الشيء فنزلت فسأكتبها"للذين يتقون"الآية فنزعها الله من إبليس. أقول: والظاهر أنه فرض وتقدير من أبي بكر ، ولا ريب في تنعم إبليس بالرحمة العامة التي يشتمل عليها صدر الآية ، وحرمانه من الرحمة الخاصة الأخروية التي يتضمنها ذيلها.
في تفسير البرهان ، عن نهج البيان روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: أي الخلق أعجب إيمانا؟ فقالوا: الملائكة ، فقال: الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون؟ فقالوا: الأنبياء. فقال: الأنبياء يوحى إليهم فما لهم لا يؤمنون؟ فقالوا: نحن. فقال: أنا فيكم فما لكم لا تؤمنون؟ إنما هم قوم يكونون بعدكم فيجدون كتابا في ورق فيؤمنون به ، وهذا معنى قوله:"و اتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون". أقول: والخبر لا بأس به ، وهو من الجري والانطباق ، وفي بعض الروايات أن النور هو علي (عليه السلام) وهو أيضا من قبيل الجري أو الباطن.