فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قوله تعالى:"و إذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم"إلى آخر الآية ، إنما قالت هذه الأمة ما قالت ، لأمة أخرى منهم كانت تعظهم وتنهاهم عن مخالفة أمر الله في السبت.
فالتقدير:"و إذ قالت أمة منهم لأمة أخرى كانت تعظهم"حذف للإيجاز وظاهر كلامهم:"لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا"أنهم كانوا أهل تقوى يجتنبون مخالفة الأمر إلا أنهم تركوا نهيهم عن المنكر فخالطوهم وعاشروهم ولو كان هؤلاء اللائمون من المتعدين الفاسقين لوعظهم أولئك الملومون ، ولم يجيبوهم بمثل قولهم: معذرة إلى ربكم إلخ ، وأن المتعدين طغوا في تعديهم وتجاهروا في فسقهم فلم يكونوا لينتهوا بنهي ظاهرا غير أن الأمة التي كانت تعظهم لم ييأسوا من تأثير العظة فيهم ، وكانوا يرجون منهم الانتهاء لو استمروا في عظتهم ، ولا أقل من انتهاء بعضهم ولو بعض الانتهاء ، وليكون ذلك معذرة منهم إلى الله سبحانه بإظهار أنهم غير موافقين لهم في فسقهم منزجرون عن طغيانهم بالتمرد.
ولذلك أجابوا عن قولهم:"لم تعظون"إلخ ، بقولهم:"معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"أي إنما نعظهم ليكون ذلك عذرا إلى ربكم ، ولأنا نرجو منهم أن يتقوا هذا العمل.
وفي قولهم:"إلى ربكم"حيث أضافوا الرب إلى اللائمين ولم يقولوا: إلى ربنا إشارة إلى أن التكليف بالعظة ليس مختصا بنا بل أنتم أيضا مثلنا يجب عليكم أن تعظوهم لأن ربكم لمكان ربوبيته يجب أن يعتذر إليه ، ويبذل الجهد في فراغ الذمة من تكاليفه والوظائف التي أحالها إلى عباده ، وأنتم مربوبون له كما نحن مربوبون فعليكم من التكاليف ما هو علينا.
قوله تعالى:"فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء"المراد بنسيانهم ما ذكروا انقطاع تأثير الذكر في نفوسهم وإن كانوا ذاكرين لنفس التذكر حقيقة فإنما الأخذ الإلهي مسبب عن الاستهانة بأمره والإعراض عن ذكره ، بل حقيقة النسيان بحسب الطبع مانع عن فعلية التكليف وحلول العقوبة.
فالإنسان يطوف عليه طائف من توفيق الله يذكره بتكاليف هامة إلهية ثم إن استقام وثبت ، وإن ترك الاستقامة ولم يزجره زاجر باطني ولا ردعه رادع نفساني عدا حدود الله بالمعصية غير أنه في بادىء أمره يتألم تألما باطنيا ويتحرج تحرجا قلبيا من ذلك ثم إذا عاد إليها ثانيا من غير توبة زادت صورة المعصية في نفسه تمكنا ، وضعف أثر التذكير وهان أمره ، وكلما عاد إليها وتكررت منه المخالفة زادت تلك قوة وهذه ضعفا حتى يزول أثر التذكير من أصله ، ساوى وجوده عدمه فلحق بالنسيان في عدم التأثير ، وهو المراد بقوله:"فلما نسوا ما ذكروا"أي زال أثره كأنه منسي زائل ، الصورة عن النفس.
وفي الآية دلالة على أن الناجين كانوا هم الناهين عن السوء فقط ، وقد أخذ الله الباقين ، وهم الذين يعدون في السبت والذين قالوا:"لم تعظون"إلخ وفيه دلالة على أن اللائمين كانوا مشاركين للعادين في ظلمهم وفسقهم حيث تركوا عظتهم ولم يهجروهم.
وفي الآية دلالة على سنة إلهية عامة ، وهي أن عدم ردع الظالمين عن ظلمهم بمنع ، وعظة إن لم يمكن المنع أو هجره إن لم تمكن العظة أو بطل تأثيرها ، مشاركة معهم في ظلمهم ، وأن الأخذ الإلهي الشديد كما يرصد الظالمين كذلك يرصد مشاركيهم في ظلمهم.
قوله تعالى:"فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين"العتو المبالغة في المعصية والقردة جمع القرد وهو الحيوان المعروف ، والخاسىء الطريد البعيد من خسأ الكلب إذا بعد.
وقوله:"فلما عتوا عن ما نهوا عنه"أي عن ترك ما نهوا عنه فإن العتو إنما يكون عن ترك المنهيات لا عن نفسها ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و إذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة"إلى آخر الآية تأذن وأذن بمعنى أعلم ، واللام في قوله:"ليبعثن"للقسم ، والمعنى: واذكر إذ أعلم ربك أنه قد أقسم ليبعثن على هؤلاء الظالمين بعثا يدوم عليهم ما دامت الدنيا من يذيقهم ويوليهم سوء العذاب.