و قوله:"إن ربك لسريع العقاب"معناه أن من عقابه ما يسرع إلى الناس كعقاب الطاغي لطغيانه ، قال تعالى:"الذين طغوا في البلاد - إلى أن قال - إن ربك لبالمرصاد": الفجر: 14 والدليل على ما فسرنا به قوله بعده:"و إنه لغفور رحيم"فإن الظاهر أنه لم يؤت به إلا للدلالة على أنه تعالى ليس بسريع العقاب دائما وإلا فمضمون الآية ليس مما يناسب التذليل باسمي الغفور والرحيم لتمحضه في معنى المؤاخذة والانتقام فمعنى قوله:"إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم"إنه تعالى غفور للذنوب رحيم بعباده لكنه إذا قضى لبعض عباده بالعقاب لاستيجابهم ذلك بطغيان وعتو ونحو ذلك فسرعان ما يتبعهم إذ لا مانع يمنع عنه ولا عائق يعوقه.
ولعل هذا هو معنى قول بعضهم: إن معنى قوله"إن ربك لسريع العقاب"سريع العقاب لمن شاء أن يعاقبه في الدنيا ، وإن كان الأنسب أن يقال: إن ذلك معنى قوله:"إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم"، ويرتفع به ما يمكن أن يتوهم أن كونه تعالى سريع العقاب ينافي كونه حليما لا يسرع إلى المؤاخذة.
قوله تعالى:"و قطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون"إلى آخر الآية.
قال: في المجمع ،: دون في موضع الرفع بالابتداء ، ولكنه جاء منصوبا لتمكنه في الظرفية ، ومثله على قول أبي الحسن"لقد تقطع بينكم"هو في موضع الرفع فجاء منصوبا لهذا المعنى ، وكذلك في قوله:"يوم القيامة يفصل بينكم"بين في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل ، وإن شئت كان التقدير: ومنهم جماعة دون ذلك فحذف الموصوف وقامت صفته مقامه.
انتهى.
والمراد بالحسنات والسيئات نعماء الدنيا وضرائها والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب"إلى آخر الآية ، العرض ما لا ثبات له ، ومنه قوله تعالى:"عرض الحياة الدنيا": النساء: 94 أي ما لا ثبات له من شئونها ، والمراد بعرض هذا الأدنى عرض هذه الحياة الدنيا والدار العاجلة غير أنه أشير إليها بلفظ التذكير لأخذها شيئا ليس له من الخصوصيات إلا أن يشار إليه تجاهلا بخصوصياتها تحقيرا لشأنها كأنها لا يخص بنعت من النعوت يرغب فيها ، وقد تقدم نظيره في قول إبراهيم (عليه السلام) على ما حكاه الله.
"هذا ربي هذا أكبر": الأنعام: 78 يريد الشمس.
وقوله:"و يقولون سيغفر لنا"قول جزافي لهم قالوه ، ولا معول لهم فيه إلا الاغترار بشعبهم الذي سموه شعب الله كما سموا أنفسهم أبناء الله وأحباءه ، ولم يقولوا ذلك لوعد النفس بالتوبة لأن ذلك قيد لا يدل عليه الكلام ، ولا أنهم قالوا ذلك رجاء للمغفرة الإلهية فإن للرجاء آثارا لا تلائم هذه المشيئة إذ رجاء الخير لا ينفك عن خوف الشر الذي يقابله وكما أن الرجاء يستدعي شيئا من ثبات النفس وطيبها كذلك الخوف يوجب قلق النفس واضطرابها ومساءتها فآية الرجاء الصادق توسط النفس بين سكون واضطراب ، وجذب ودفع ، ومسرة ومساءة ، وأما من توغل في شهوات نفسه وانغمر في لذائذ الدنيا من غير أن يتذكر بعقوبة ما يجنيه ويقترفه ثم إذا ردعه رادع من نفسه أو غيره بما أوعد الله الظالمين ، وذكره شيئا من سوء عاقبة المجرمين قال: إن الله غفور رحيم يتخلص به من اللوم ، ويخلص به إلى صافي لذائذه الدنية فليس ما يتظاهر به رجاء صادقا بل أمنية نفسانية كاذبة ، وتسويل شيطاني موبق فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
وقوله:"و إن يأتهم عرض مثله يأخذوه"أي لم يقنعوا بما أخذوه من العرض بمرة حتى يكون تركهم ذلك ورجوعهم إلى اتقاء محارم الله نحوا من التوبة ، وقولهم:"سيغفر لنا"نوعا من الرجاء يتلبس به التائبون بل كلما وجدوا شيئا من عرض الدنيا أخذوه من غير أن يراقبوا الله تعالى فيه فالجملة أعني قوله:"و إن يأتهم عرض مثله يأخذوه"في معنى قوله تعالى في وصفهم في موضع آخر:"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه": المائدة: 79.
وقوله:"و درسوا ما فيه"كان الواو للحال ، والجملة حال عن ضمير"عليهم"وقيل الجملة معطوفة على قوله:"ورثوا الكتاب"في صدر الآية ، ولا يخلو من بعد.