فهرس الكتاب

الصفحة 1718 من 4314

و المعنى:"فخلف من بعدهم"أي من بعد هؤلاء الأسلاف من بني إسرائيل وحالهم في تقوى الله واجتناب محارمه ما وصف"خلف ورثوا الكتاب"وتحملوا ما فيه من المعارف والأحكام والمواعظ والعبر ، وكان لازمه أن يتقوا ويختاروا الدار الآخرة ، ويتركوا أعراض الدنيا الفانية الصارفة عما عند الله من الثواب الدائم"يأخذون عرض هذا الأدنى"وينكبون على اللذائذ الفانية العاجلة ، ولا يبالون بالمعصية وإن كثرت"و يقولون سيغفر لنا"قولا بغير الحق ولا يرجعون عن المعصية بالمرة والمرتين بل هم على قصد العود إليها كلما أمكن"و إن يأتهم عرض مثله يأخذوه"ولا يتناهون عما اقترفوه من المعصية.

"أ لم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب"وهو الميثاق المأخوذ عليهم عند حملهم إياه"أن لا يقولوا على الله إلا الحق"والحال أنهم درسوا ما فيه ، وعلموا بذلك أن قولهم:"سيغفر لنا"قول بغير الحق ليس لهم أن يتفوهوا به ، وهو يجرئهم على معاصي الله وهدم أركان دينه.

"و"الحال أن"الدار الآخرة خير للذين يتقون"لدوام ثوابها وأمنها من كل مكروه"أ فلا تعقلون".

قوله تعالى:"و الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين"قال في المجمع ،: أمسك ومسك وتمسك واستمسك بالشيء بمعنى واحد أي اعتصم به.

انتهى.

وتخصيص إقامة الصلاة بالذكر من بين سائر أجزاء الدين لشرفها وكونها ركنا من الدين يحفظ بها ذكر الله والخضوع إلى مقامه الذي هو بمنزلة الروح الحية في هيكل الشرائع الدينية.

والآية تعد التمسك بالكتاب إصلاحا والإصلاح يقابل الإفساد وهو الإفساد في الأرض أو إفساد المجتمع البشري فيها ، ولا تفسد الأرض ولا المجتمع البشري إلا بإفساد طريقة الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، والدين الذي يشتمل عليه الكتاب الإلهي النازل في عصر من الأعصار هو المتضمن لطرق الفطرة بحسب ما يستدعيه استعداد أهله فإن الله سبحانه يذكر في كلامه أن الدين القيم الذي يقوم بحوائج الحياة هي الفطرة التي فطر الناس عليها ، والخلقة التي لا حقيقة لهم وراءها قال:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون": الروم: 30 ثم قال:"إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19 والإسلام هو التسليم لله سبحانه في سنته الجارية في تكوينه المبتنية عليها تشريعه.

فالآيتان - كما ترى - تناديان بأن دين الله سبحانه هو تطبيق الإنسان حياته على ما تقتضيه فيه قوانين التكوين ونواميسه حتى يقف بذلك موقفا تتحراه نفسية النوع الإنساني ثم يسير في مسيرها أي يعود بذلك إنسانا نسميه إنسانا طبيعيا ويتربى تربية يستدعيها ذاته بحسب ما ركب عليه تركيبه الطبيعي.

فما تقتضيه نفسية الإنسان الطبيعية من الخضوع إلى المبدإ الغيبي الذي يقوم بإيجاده وإبقائه وإسعاده ، وتوفيق شئون حياته مع القوانين الحاكمة في الكون حكومة حقيقية هو الدين المسمى بالإسلام الذي يدعو إليه القرآن وسائر كتب الله السماوية المنزلة على أنبيائه ورسله.

فإصلاح شئون الحياة الإنسانية وتخليصها من كل دخيل خرافي ، ووضع الإصر والأغلال التي اختلقتها الأوهام والأهواء ثم وضعتها على الناس ، جزء معنى الدين المسمى بالإسلام لا أثر من آثاره وحكم من أحكامه حتى تختلف فيه الآراء فيسلمه مسلم ، ويرده ، راد ، ويبحث فيه باحث منصف فيتبع ما أدى إليه جهد نظره.

وبعبارة أخرى: الذي يدعي إليه الناس بمنطق الدين الإلهي هو الشرائع والسنن القائمة بمصالح العباد في حياتهم الدنيوية والأخروية لا أنه يضع مجموعة من معارف وشرائع ثم يدعي أن المصالح الإنسانية تطابقه وهو يطابقها فافهم ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت