و إياك أن تتوهم أن الدين الإلهي مجموع أمور من معارف وشرائع جافة تقليدية لا روح لها إلا روح المجازفة بالاستبداد ، ولا لسان لها إلا لسان التأمر الجاف والتحكم الجافي وقد قضى شارعها بوجوب اتباعها والانقياد لها تجاه ما هيأ لهم بعد الموت من نعيم مخلد للمطيعين منهم ، والعذاب المؤبد للعاصين ، ولا رابط لها يربطها بالنواميس التكوينية المماسة للإنسان الحاكمة في حياته القائمة بشئونها القيمة بإصلاحها فتعود الأعمال الدينية أغلالا غلت بها أيدي الناس في دنياهم ، وأما الآخرة فقد ضمنت إصلاحها إرادة مولوية إلهية فحسب ، وليس للمنتحل بالدين في دنياه من سعادة الحياة إلا ما استلذها بالعادة كمن اعتاد بالأفيون والسم حتى عاد يلتذ بما يتألم به المزاج الطبيعي السالم ، ويتألم بما يلتذ به غيره.
فهذا من الجهل بالمعارف الدينية ، والفرية على ساحة شارعة الطاهرة يدفعه الكلام الإلهي فكم من آية تتبرأ من ذلك بتصريح أو تلويح أو بإشارة أو كناية وغير ذلك.
وبالجملة الكتاب الإلهي يتضمن مصالح العباد ، وفيه ما يصلح المجتمع الإنساني بإجرائه فيه بل الكتاب الإلهي هو الكتاب الذي يشتمل على ذلك ، والدين الإلهي هو مجموع القوانين المصلحة ، ومجموع القوانين المصلحة هو الدين فلا يدعو الدين الناس إلا إلى إصلاح أعمالهم وسائر شئون مجتمعهم ويسمى ذلك إسلاما لله لأن من جرى على مجرى الإنسان الطبيعي الذي خطه له التكوين فقد أسلم للتكوين ووافقه بأعماله فيما يقتضيه وموافقته والسير على المسير الذي مهده وخطه إسلام لله سبحانه في ما يريده منه.
وليس يدعو الدين إلى متابعة مواد قوانينه ومحتوياته ثم يدعي أن في ذلك خيرهم وسعادتهم حتى يكون لشاك أن يشك فيه.
والآية أعني قوله:"و الذين يمسكون بالكتاب"الآية في نفسها عامة مستقلة لكنها بحسب دخولها في سياق الكلام في بني إسرائيل معتنية بشأنهم ، والمراد بالكتاب بهذا النظر التوراة أو هي والإنجيل.
قوله تعالى:"و إذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة"الآية.
النتق قلع الشيء من أصله ، والظلة هي الغمامة ، وما يستظل بها من نحو السقف ، والباقي ظاهر.
والآية تقص رفع الطور فوق رءوس بني إسرائيل ، وقد تقدمت هذه القصة مكررة في سورتي البقرة والنساء.