و أما قوله:"فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة"فإن كان معناه عتوا عن ترك ما نهوا عنه كما تقدم عن المفسرين كان هذا العذاب بحسب دلالة هذه الآية مختصا بالصائدين لكنها لا تمنع عموم الآية السابقة للصائدين والساكتين جميعا لاشتراكهم في الظلم والفسق ، وإن كان معنى الآية الإعراض عما نهوا عنه من غير تقدير الترك وما بمعناه اختصت الآية ببيان عذاب الساكتين وكان عذاب الصائدين مبينا في الآية السابقة:"فلما نسوا ما ذكروا به"الآية كما يومىء إليه بعض الروايات الآتية.
وفي المجمع ،: أنه هلكت الفرقتان ، ونجت الفرقة الناهية: روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) . أقول: ولا ينافيه نص الآية على مسخ العاتين فإن الهلاك يعم مثل المسخ.
على أن الأخبار متظافرة في أن الممسوخ لا يعيش بعد المسخ إلا أياما ثم يهلك.
وفي الكافي ، عن سهل بن زياد عن عمرو بن عثمان عن عبد الله بن المغيرة عن طلحة بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى:"فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء"قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا ونجوا ، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا. أقول: والرواية - كما ترى - مبنية على كون قوله:"فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة"الآية ناظرا إلى عذاب الساكتين دون المرتكبين للصيد المحرم ومعنى"عتوا عن ما نهوا"كفوا عن الصيد الذي نهوا عنه ولا حاجة حينئذ إلى تقدير الترك ونحوه في الكلام ويبقى لبيان عذاب الفرقة الأخرى قوله في الآية السابقة.
ولا مانع من هذا المعنى إلا أن مقتضى المقام أن يذكر السبب لعذاب الساكتين كفهم عن موعظة الفاعلين لا عتوهم عما نهوا عنه مع ما في استعمال العتو في مورد الكف والإعراض من البعد ، والرواية مع ذلك ضعيفة وقد رواها الصدوق بالسند بعينه عن طلحة عن أبي جعفر (عليه السلام) في الآية وفيها: قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا ، وصنف ائتمروا ولم يأمروا ، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا وو رواها العياشي عن طلحة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) في الآية قال: افترق القوم ثلاث فرق فرقة انتهت واعتزلت ، وفرقة أقامت ولم يقارف الذنوب ، وفرقة اقترفت الذنوب فلم ينج من العذاب إلا من انتهت قال جعفر: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ما صنع بالذين أقاموا ولم يقارفوا الذنوب؟ قال أبو جعفر (عليه السلام) : بلغني أنهم صاروا ذرا ، والظاهر أنها جميعا رواية واحدة على ما في سندها من الضعف ، وفي متنها من التشويش والاختلاف.