و فيه ، بإسناده عن عبد الله بن محمد الحنفي وعقبة جميعا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب فكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة ، وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار ثم بعثهم في الظلال فقيل: وأي شيء الظلال؟ قال: أ لم تر إلى ظلك في الشمس شيء وليس بشيء ثم بعث معهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله وهو قوله: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، ثم دعوهم إلى الإقرار فأقر بعضهم وأنكر بعض ، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب ، وأنكرها من أبغض ، وهو قوله:"و ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل"ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) : كان التكذيب. أقول: والرواية وإن لم تكن مما وردت في تفسير آية الذر غير أنا أوردناها لاشتمالها على قصة أخذ الميثاق ، وفيها ذكر الظلال ، وقد تكرر ذكر الظلال في لسان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والمراد به - كما هو ظاهر الرواية - وصف هذا العالم الذي هو بوجه عين العالم الدنيوي وبوجه غيره ، وله أحكام غير أحكام الدنيا بوجه وعينها بوجه فينطبق على ما وصفناه في البيان المتقدم.
وفي الكافي ، وتفسير العياشي ، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه. وزاد العياشي: يعني في الميثاق. أقول: وما زاده العياشي من كلام الراوي ، وليس المراد بقوله"جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه"دلالة حالهم على ذلك بل لما فهم الراوي من الجواب ما هو من نوع الجوابات الدنيوية استبعد صدوره عن الذر فسأل عن ذلك فأجابه (عليه السلام) بأن الأمر هناك بحيث إذا نزلوا في الدنيا كان ذلك منهم جوابا دنيويا باللسان والكلام اللفظي ويؤيده قوله (عليه السلام) ما إذا سألهم ، ولم يقل: ما لو تكلموا ونحو ذلك.
وفي تفسير العياشي ، أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله:"أ لست بربكم"قالوا بألسنتهم؟ قال نعم وقالوا بقلوبهم. فقلت: وأين كانوا يومئذ؟ قال: صنع منهم ما اكتفى به. أقول: جوابه (عليه السلام) أنهم قالوا: بلى بألسنتهم وقلوبهم مبني على كون وجودهم يومئذ بحيث لو انتقلوا إلى الدنيا كان ذلك جوابا بلسان على النحو المعهود في الدنيا لكن اللسان والقلب هناك واحد ، ولذلك قال (عليه السلام) : نعم وبقلوبهم فصدق اللسان ، وأضاف إليه القلب.
ثم لما كان في ذهن الراوي أنه أمر واقع في الدنيا ونشأة الطبيعة ، وقد ورد في بعض الروايات التي تذكر قصة إخراج الذرية من ظهر آدم: تعيين المكان له وقد روى بعضها هذا الراوي أعني أبا بصير سأله (عليه السلام) عن مكانهم بقوله: وأين كانوا يومئذ ، فأجابه (عليه السلام) بقوله:"صنع منهم ما اكتفى به"فلم يجبه بتعيين المكان بل بأن الله سبحانه خلقهم خلقا يصح معه السؤال والجواب ، وكل ذلك يؤيد ما قدمناه في وصف هذا العالم ، الرواية كغيرها مع ذلك كالصريح في أن التكليم والتكلم في الآية على الحقيقة دون المجاز بل هي صريحة فيه.
وفي الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي أمامة: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: خلق الله الخلق وقضى القضية ، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء ، فأخذ أهل اليمين بيمينه ، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يد الرحمن يمين فقال: يا أصحاب اليمين فاستجابوا له فقالوا: لبيك ربنا ، وسعديك. قال: أ لست بربكم؟ قالوا: بلى قال: يا أصحاب الشمال فاستجابوا له فقالوا لبيك ربنا وسعديك قال: أ لست بربكم؟ قالوا: بلى. فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم: رب لم خلطت بيننا؟ قال: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ثم ردهم في صلب آدم فأهل الجنة أهلها ، وأهل النار أهلها. فقال قائل: يا رسول الله فما الأعمال؟ قال: يعمل كل قوم لمنازلهم. فقال عمر بن الخطاب: إذا نجتهد. أقول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) "و عرشه على الماء"كناية عن تقدم أخذ الميثاق ، وليس المراد به تقدم خلق الأرواح على الأجساد زمانا فإن عليه من الإشكال ما على عالم الذر بالمعنى الذي فهمه جمهور المثبتين ، وقد تقدم.