فهرس الكتاب

الصفحة 1738 من 4314

و هي الحياة الأرضية اللاهية عن الله ودار كرامته فإن الإعراض عن الله سبحانه وتكذيب آياته ظلم ، وقد حق القول منه سبحانه أنه لا يهدي القوم الظالمين ، وأن الذين كفروا وكذبوا بآياته أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

ولذلك عقب تعالى قوله:"و لو شئنا لرفعناه بها"بقوله:"لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه"فالتقدير: لكنا لم نشأ ذلك لأنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان ذلك موردا لإضلالنا لا لهدايتنا كما قال تعالى:"و يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27.

وقوله:"فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث"أي إنه ذو هذه السجية لا يتركها سواء زجرته ومنعته أو تركته و"تحمل"من الحملة لا من الحمل"ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا"فالتكذيب منهم سجية وهيئة نفسانية خبيثة لازمة فلا تزال آياتنا تتكرر على حواسهم ويتكرر التكذيب بها منهم"فاقصص القصص"وهو مصدر أي اقصص قصصا أو اسم مصدر أي اقصص القصة"لعلهم يتفكرون"فينقادوا للحق وينتزعوا عن الباطل.

قوله تعالى:"ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون"ذم لهم من حيث وصفهم ، وإعلام لهم أنهم لا يضرون شيئا في تكذيب آياته بل ذلك ظلم منهم لأنفسهم إذ يستضر بذلك غيرهم.

قوله تعالى:"من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون"اللام في"المهتدي"و"الخاسرون"يفيد الكمال دون الحصر ظاهرا ، ومفاد الآية أن مجرد الاهتداء إلى شيء لا ينفع شيئا ولا يؤثر أثر الاهتداء إلا إذا كانت معه هداية الله سبحانه فهي التي يكمل بها الاهتداء ، وتتحتم معها السعادة ، وكذلك مجرد الضلال لا يضر ضررا قطعيا إلا بانضمام إضلال الله سبحانه إليه فعند ذلك يتم أثره ، ويتحتم الخسران.

فمجرد اتصال الأنسال بأسباب السعادة كظاهر الإيمان والتقوى وتلبسه بذلك لا يورده مورد النجاة ، وكذلك اتصاله وتلبسه بأسباب الضلال لا يورده مورد الهلاك والخسران إلا أن يشاء الله ذلك فيهدي بمشيئته من هدى ، ويضل بها من أضل فيئول المعنى إلى أن الهداية إنما تكون هداية حقيقية تترتب عليها آثارها إذا كانت لله فيها مشية ، وإلا فهي صورة هداية وليست بها حقيقة ، وكذلك الأمر في الإضلال ، وإن شئت فقل: إن الكلام يدل على حصر الهداية الحقيقية في الله سبحانه وكذلك الإضلال ولا يضل به إلا الفاسقين.

قوله تعالى:"و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس"إلى آخر الآية.

الذرء هو الخلق ، وقد عرف الله سبحانه جهنم غاية لخلق كثير من الجن والإنس ، ولا ينافي ذلك ما عرف في موضع آخر أن الغاية لخلق الخلق هي الرحمة وهي الجنة في الآخرة كقوله تعالى:"إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم": هود: 119 فإن الغرض يختلف معناه بحسب كمال الفعل ونهاية الفعل التي ينتهي إليها.

بيان ذلك أن النجار إذا أراد أن يصنع بابا عمد إلى أخشاب يهيئها له ثم هندسه فيها ثم شرع في النشر والنحت والخرط حتى أتم الباب فكمال غرضه من إيقاع الفعل على تلك الخشبات هو حصول الباب لا غير ، هذا من جهة ومن جهة أخرى هو يعلم من أول الأمر أن جميع أجزاء تلك الخشبات ليست تصلح لأن تكون أجزاء للباب فإن للباب هيئة خاصة لا تجامع هيئة الخشبات ، ولا بد في تغيير هيئتها من ضيعة بعض الأجزاء لخروجها عن هندسة العمل فصيرورة هذه الأبعاض فضلة يرمى بها داخلة في قصد الصانع مرادة له بإرادة تسمى قصدا ضروريا فللنجار في صنع الباب بالنسبة إلى الأخشاب التي بين يديه نوعان من الغاية: أحدهما الغاية الكمالية وهي أن يصنع منها بابا ، والثاني الغاية التابعة وهي أن يصنع بعضها بابا ويجعل بعضها فضلة لا ينتفع بها وضيعة يرمى بها ، وذلك لعدم استعدادها لتلبس صورة الباب.

وكذا الزارع يزرع أرضا ليحصد قمحا فلا يخلص لذلك إلى يوم الحصاد إلا بعض ما صرفه من البذر ، ويذهب غيره سدى يضيع في الأرض أو تفسده الهوام أو يخصفه المواشي والجميع مقصودة للزراع من وجه ، والمحصول من القمح مقصود من وجه آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت