و قد تعلقت المشية الإلهية أن يخلق من الأرض إنسانا سويا يعبده ويدخل بذلك في رحمته ، واختلاف الاستعدادات المكتسبة من الحياة الدنيوية على ما لها من مختلف التأثيرات لا يدع كل فرد من أفراد هذا النوع أن يجري في مجراه الحقيقي ويسلك سبيل النجاة إلا من وفق له ، وعند ذلك تختلف الغايات وصح أن لله سبحانه غاية في خلقة الإنسان مثلا وهو أن يشملهم برحمته ويدخلهم جنته ، وصح أن لله غاية في أهل الخسران والشقاوة من هذا النوع وهو أن يدخلهم النار وقد كان خلقهم للجنة غير أن الغاية الأولى غاية أصلية كمالية ، والغاية الثانية غاية تبعية ضرورية ، والقضاء الإلهي المتعلق بسعادة من سعد وشقاوة من شقى ناظر إلى هذا النوع الثاني من الغاية فإنه تعالى يعلم ما يئول إليه حال الخلق من سعادة أو شقاء فهو مريد لذلك بإرادة تبعية لا أصلية.
وعلى هذا النوع من الغاية ينزل قوله تعالى:"و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس"وما في هذا المساق من الآيات الكريمة وهي كثيرة.
وقوله:"لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها"إشارة إلى بطلان استعدادهم للوقوع في مجرى الرحمة الإلهية ، والوقوف في مهب النفحات الربانية ، فلا ينفعهم ما يشاهدونه من آيات الله ، وما يسمعونه من مواعظ أهل الحق ، وما تلقنه لهم فطرتهم من الحجة والبينة.
ولا يفسد عقل ولا عين ولا أذن في عمله وقد خلقها الله لذلك ، وقد قال:"لا تبديل لخلق الله": الروم: 30 إلا أن يكون الذي يغيره هو الله سبحانه فيكون من جملة الخلق لكنه سبحانه لا يغير ما أنعمه على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، قال تعالى"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53.
فالذي أبطل ما عندهم من الاستعداد ، وأفسد أعمال قلوبهم وأعينهم وآذانهم هو الله سبحانه فعل بهم ما فعل جزاء بما كسبوا نكالا فهم غيروا نعمة الله بتغيير طريق العبودية فجازاهم الله بالطبع على قلوبهم فلا يفقهون بها ، وجعل الغشاوة على أبصارهم فلا يبصرون بها ، والوقر على آذانهم فلا يسمعون بها فهذه آية أنهم مسيرون إلى النار.
وقوله:"أولئك كالأنعام بل هم أضل"نتيجة ما تقدم ، وبيان لحالهم فإنهم فقدوا ما يتميز به الإنسان من سائر الحيوان ، وهو تمييز الخير والشر والنافع والضار بالنسبة إلى الحياة الإنسانية السعيدة من طريق السمع والبصر والفؤاد.
وإنما شبهوا من بين الحيوان العجم بالأنعام مع أن فيهم خصال السباع الضارية وخصائصها كخصال الأنعام الراعية ، لأن التمتع بالأكل والسفاد أقدم وأسبق بالنسبة إلى الطبع الحيواني فجلب النفع أقدم من دفع الضر ، وما في الإنسان من القوى الدافعة الغضبية مقصودة لأجل ما فيه من القوى الجاذبة الشهوية ، وغرض النوع بحسب حياته الحيوانية يتعلق أولا بالتغذي والتوليد ، ويتحفظ على ذلك بإعمال القوى الدافعة فالآية تجري مجرى قوله تعالى:"و الذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما يأكل الأنعام والنار مثوى لهم": سورة محمد: 12.
وأما كونهم أكثر أو أشد ضلالا من الأنعام ، ولازمه ثبوت ضلال ما في الأنعام فلأن الضلال في الأنعام نسبي غير حقيقي فإنها مهتدية بحسب ما لها من القوى المركبة الباعثة لها إلى قصر الهمة في الأكل والتمتع غير ضالة فيما هيئت لها من سعادة الحياة ولا مستحقة للذم فيما أخذت إليه ، وإنما تعد ضالة بقياسها إلى السعادة الإنسانية التي ليست لها ولا جهزت بما تتوسل به إليها.
وأما هؤلاء المطبوع على قلوبهم وأعينهم وآذانهم فالسعادة سعادتهم وهم مجهزون بما يوصلهم إليها ويدلهم عليها من السمع والبصر والفؤاد لكنهم أفسدوها وضيعوا أعمالها.
ونزلوها منزلة السمع والبصر والقلب التي في الأنعام ، واستعملوها فيما تستعملها فيه الأنعام وهو التمتع من لذائذ البطن والفرج فهم أكثر أو أشد ضلالا من الأنعام ، وإليهم يعود الذم.
وقوله:"أولئك هم الغافلون"نتيجة وبيان حال أخرى لهم وهو أن حقيقة الغفلة هي التي توجد عندهم فإنها بمشية الله سبحانه ، ألبسها إياهم بالطبع الذي طبع به على قلوبهم وأعينهم وآذانهم والغفلة مادة كل ضلال وباطل.