فهرس الكتاب

الصفحة 1743 من 4314

قوله تعالى:"و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها"الاسم بحسب اللغة ما يدل به على الشيء سواء أفاد مع ذلك معنى وصفيا كاللفظ الذي يشار به إلى الشيء لدلالته على معنى موجود فيه ، أو لم يفد إلا الإشارة إلى الذات كزيد وعمرو وخاصة المرتجل من ، الأعلام وتوصيف الأسماء الحسنى - وهي مؤنث أحسن - يدل على أن المراد بها الأسماء التي فيها معنى وصفي دون ما لا دلالة لها إلا على الذات المتعالية فقط لو كان بين أسمائه تعالى ما هو كذلك ، ولا كل معنى وصفي ، بل المعنى الوصفي الذي فيه شيء من الحسن ، ولا كل معنى وصفي حسن بل ما كان أحسن بالنسبة إلى غيره إذا اعتبر مع الذات المتعالية: فالشجاع والعفيف من الأسماء الحسنة لكنهما لا يليقان بساحة قدسه لإنبائهما عن خصوصية جسمانية لا يمكن سلبها عنهما ، ولو أمكن لم يكن مانع عن إطلاقهما عليه كالجواد والعدل والرحيم.

فكون اسم ما من أسمائه تعالى أحسن الأسماء أن يدل على معنى كمالي غير مخالط لنقص أو عدم ، مخالطة لا يمكن معها تحرير المعنى من ذلك النقص والعدم وتصفيته ، وذلك في كل ما يستلزم حاجة أو عدما وفقدا كالأجسام والجسمانيات والأفعال المستقبحة أو المستشنعة ، والمعاني العدمية: فهذه الأسماء بأجمعها محصول لغاتنا لم نضعها إلا لمصاديقها فينا التي لا تخلو عن شوب الحاجة والنقص غير أن منها ما لا يمكن سلب جهات الحاجة والنقص عنها كالجسم واللون والمقدار وغيرها ، ومنها ما يمكن فيه ذلك كالعلم والحياة والقدرة فالعلم فينا الإحاطة بالشيء من طريق أخذ صورته من الخارج بوسائل مادية ، والقدرة فينا المنشأة للفعل بكيفية مادية موجودة لعضلاتنا ، والحياة كوننا بحيث نعلم ونقدر بما لنا من وسائل العلم والقدرة فهذه لا تليق بساحة قدسه غير أنا إذا جردنا معانيها عن خصوصيات المادة عاد العلم وهو الإحاطة بالشيء بحضوره عنده ، والقدرة هي المنشأة للشيء بإيجاده ، والحياة كون الشيء بحيث يعلم ويقدر ، وهذه لا مانع من إطلاقها عليه لأنها معان كمالية خالية عن جهات النقص والحاجة ، وقد دل العقل والنقل أن كل صفة كمالية فهي له تعالى وهو المفيض لها على غيره من غير مثال سابق فهو تعالى عالم قادر حي لكن لا كعلمنا وقدرتنا وحياتنا بل بما يليق بساحة قدسه من حقيقة هذه المعاني الكمالية مجردة عن النقائص.

وقد قدم الخبر في قوله:"و لله الأسماء الحسنى"وهو يفيد الحصر ، وجيء بالأسماء محلى باللام ، والجمع المحلى باللام يفيد العموم ، ومقتضى ذلك أن كل اسم أحسن في الوجود فهو لله سبحانه لا يشاركه فيه أحد ، وإذ كان الله سبحانه ينسب بعض هذه المعاني إلى غيره ويسميه به كالعلم والحياة والخلق والرحمة فالمراد بكونها لله كون حقيقتها له وحده لا شريك له.

وظاهر الآيات بل نص بعضها يؤيد هذا المعنى كقوله:"إن القوة لله جميعا": البقرة: 165.

وقوله:"فإن العزة لله جميعا": النساء: 139 ، وقوله:"و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء": البقرة: 255 ، وقوله:"هو الحي لا إله إلا هو": المؤمن: 66 فلله سبحانه حقيقة كل اسم أحسن لا يشاركه غيره إلا بما ملكهم منه كيفما أراد وشاء.

ويؤيد هذا المعنى ظاهر كلامه أينما ذكر أسماؤه في القرآن كقوله تعالى:"الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى": طه: 8 وقوله:"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى": إسراء: 110 ، وقوله:"له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض": الحشر: 24 فظاهر الآيات جميعا كون حقيقة كل اسم أحسن لله سبحانه وحده.

وما احتمله بعضهم أن اللام في"الأسماء"للعهد مما لا دليل عليه ولا في القرائن الحافة بالآيات ما يؤيده غير ما عهده القائل من الأخبار العادة للأسماء الحسنى ، وسيجيء الكلام فيها في البحث الروائي التالي إن شاء الله.

وقوله:"فادعوه بها"إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولنا: دعوته زيدا ودعوتك أبا عبد الله أي سميته وسميتك ، وإما من الدعوة بمعنى النداء أي نادوه بها فقولوا: يا رحمن يا رحيم وهكذا.

أو من الدعوة بمعنى العبادة أي فاعبدوه مذعنين أنه متصف بما يدل عليه هذه الأسماء من الصفات الحسنة والمعاني الجميلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت