فهرس الكتاب

الصفحة 1744 من 4314

و قد احتملوا جميع هذه المعاني غير أن كلامه تعالى في مواضع مختلفة يذكر فيها دعاء الرب يؤيد هذا المعنى الأخير كما في الآية السابقة:"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى"وقوله:"و قال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين": المؤمن: 60 حيث ذكر أولا الدعاء ثم بدله ثانيا من العبادة إيماء إلى اتحادهما ، وقوله:"و من أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين": الأحقاف: 6 ، وقوله:"هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين": المؤمن: 65 يريد إخلاص العبادة.

ويؤيده ذيل الآية:"و ذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون"بظاهره فإنه لو كان المراد بالدعاء التسمية أو النداء دون العبادة لكان الأنسب أن يقال: بما كانوا يصفون كما قال في موضع آخر:"سيجزيهم وصفهم": الأنعام: 139.

فمعنى الآية - والله أعلم - ولله جميع الأسماء التي هي أحسن فاعبدوه وتوجهوا إليه بها ، والتسمية والنداء من لواحق العبادة.

قوله تعالى:"و ذروا الذين يلحدون في أسمائه"إلى آخر الآية.

اللحد والإلحاد بمعنى واحد وهو التطرف والميل عن الوسط إلى أحد الجانبين ، ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح الذي في الوسط فقراءة يلحدون بفتح الياء من المجرد ، ويلحدون بضم الياء من باب الإفعال بمعنى واحد ، ونقل عن بعض اللغويين: أن اللحد بمعنى الميل إلى جانب ، والإلحاد بمعنى الجدال والمماراة.

وقوله:"سيجزون"الآية بالفصل لأنه بمنزلة الجواب لسؤال مقدر كأنه لما قيل:"و ذروا الذين يلحدون في أسمائه"قيل: إلى م يصير حالهم؟ فأجيب:"سيجزون ما كانوا يعملون"وللبحث في الأسماء الحسنى بقايا ستوافيك في كلام مستقل نورده بعد الفراغ عن تفسير الآيات إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"قد مر بعض ما يتعلق به من الكلام في قوله تعالى:"و من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون": الآية 159 من السورة وتختص هذه الآية بأنها لوقوعها في سياق تقسيم الناس إلى ضال ومهتد ، وبيان أن الملاك في ذلك دعاؤه سبحانه بأحسن الأسماء اللائقة بحضرته والإلحاد في أسمائه ، تدل على أن النوع الإنساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقة إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع الله ، ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ، والاهتداء الحقيقي لا يكون إلا عن هداية حقيقية ، وهي التي لله سبحانه ، وقد تقدم في قوله تعالى:"فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين": الأنعام: 89 ، وغيره أن الهداية الحقيقية الإلهية لا تتخلف عن مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال ، كما أن الترديد الواقع في قوله تعالى:"أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى": يونس: 35.

يدل على أن من يهدي إلى الحق يجب أن لا يكون مهتديا بغيره إلا بالله فافهم ذلك.

وعلى هذا فإسناد الهداية إلى هذه الأمة لا يخلو عن الدلالة على مصونيتهم من الضلال واعتصامهم بالله من الزيغ إما بكون جميع هؤلاء المشار إليهم بقوله:"أمة يهدون بالحق"متصفين بهذه العصمة والصيانة كالأنبياء والأوصياء ، وإما بكون بعض هذه الأمة كذلك وتوصيف الكل بوصف البعض نظير قوله تعالى:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة": الجاثية: 16 ، وقوله:"و جعلكم ملوكا": المائدة: 20 ، وقوله:"لتكونوا شهداء على الناس": البقرة: 143 ، وإنما المتصف بهذه المزايا بعضهم دون الجميع.

والمراد بالآية - والله أعلم - أنا لا نأمركم بأمر غير واقع أو خارج عن طوق البشر فإن ممن خلقنا أمة متلبسة بالاهتداء الحقيقي هادين بالحق لأن الله كرمهم بهدايته الخاصة.

قوله تعالى:"و الذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون"الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة فدرجة ، والاستدناء من أمر أو مكان ، وقرينة المقام تدل على أن المراد به هنا الاستدناء من الهلاك إما في الدنيا أو في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت