و تقييد الاستدراج بكونه من حيث لا يعلمون للدلالة على أن هذا التقريب خفي غير ظاهر عليهم بل مستبطن فيما يتلهون فيه من مظاهر الحياة المادية فلا يزالون يقتربون من الهلاك باشتداد مظالمهم فهو تجديد نعمة بعد نعمة حتى يصرفهم التلذذ بها عن التأمل في وبال أمرهم كما مر في قوله تعالى:"ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا": الأعراف: 95 ، وقال تعالى:"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد": آل عمران: 197.
ومن وجه آخر لما انقطع هؤلاء عن ذكر ربهم وكذبوا بآياته سلبوا اطمئنان القلوب وأمنها بالتشبث بذيل الأسباب التي من دون الله ، وعذبوا باضطراب النفوس وقلق القلوب وقصور الأسباب وتراكم النوائب ، وهم يظنون أنها الحياة ناسين معنى حقيقة الحياة السعيدة فلا يزالون يستزيدون من مهلكات زخارف الدنيا فيزدادون عذابا وهم يحسبونه زيادة في النعمة حتى يردوا عذاب الآخرة وهو أمر وأدهى ، فهم يستدرجون في العذاب من لدن تكذيبهم بآيات ربهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.
قال تعالى:"ألا بذكر الله تطمئن القلوب": الرعد: 28 ، وقال:"و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا": طه: 124 ، وقال:"فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون": التوبة: 55 ، وهذا معنى آخر من الاستدراج لكن قوله تعالى بعده:"و أملي لهم"لا يلائم ذلك فالمتعين هو المعنى الأول.
قوله تعالى:"و أملي لهم إن كيدي متين"الإملاء هو الإمهال ، وقوله:"إن كيدي متين"تعليل لمجموع ما في الآيتين ، وفي قوله:"و أملي"بعد قوله:"سنستدرجهم"الآية ، التفات من التكلم مع الغير إلى التكلم وحده للدلالة على مزيد العناية بتحريمهم من الرحمة الإلهية وإيرادهم مورد الهلكة.
وأيضا الإملاء هو إمهالهم إلى أجل مسمى.
فيكون في معنى قوله:"و لو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم": الشورى: 14 ، وهذه الكلمة هي قوله لآدم (عليه السلام) حين إهباطه إلى الأرض:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36 وهو القضاء الإلهي والقضاء مختص به تعالى لا يشاركه فيه غيره ، وهذا بخلاف الاستدراج الذي هو إيصال النعمة بعد النعمة وتجديدها فإنها نعم إلهية مفاضة بالوسائط من الملائكة والأمر فلهذا السبب جيء في الاستدراج بصيغة المتكلم مع الغير ، وغير ذلك في الإملاء وفي الكيد الذي هو أمر متحصل من الاستدراج والإملاء إلى لفظ المتكلم وحده.
قوله تعالى:"أ ولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين"في تركيب الكلام اختلاف شديد بينهم ، والذي يستبق إلى الذهن من السياق أن يكون قوله: أ ولم يتفكروا"كلاما تاما سيق للإنكار والتوبيخ ثم قوله:"ما بصاحبهم من جنة"الآية كلاما آخر سيق لبيان صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعواه النبوة ، وهو يشير إلى ما يتفكرون فيه كأنه قيل: أ ولم يتفكروا في أنه ما بصاحبهم من جنة الآية حتى يتبين لهم ذلك؟ نعم ، ما به من جنة إن هو إلا نذير مبين."
والتعبير عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصاحبهم للإشارة إلى مادة الاستدلال الفكري فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصحبهم ويصحبونه طول حياته بينهم فلو كان به شيء من جنة لبان لهم ذلك البتة فهو فيما جاء به نذير لا مجنون ، والجنة بناء نوع من الجنون على ما قيل وإن كان من الجائز أن يكون المراد به الفرد من الجن بناء على ما يزعمونه أن المجنون يحل فيه بعض الجن فيتكلم من فيه وبلسانه.
قوله تعالى:"أ ولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض"إلى آخر الآية قد مر كرارا أن الملكوت في عرف القرآن على ما يظهر من قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83 هو الوجه الباطن من الأشياء الذي يلي جهة الرب تعالى ، وأن النظر إلى هذا الوجه واليقين متلازمان كما يفهم من قوله:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75."
فالمراد توبيخهم في الإعراض والانصراف عن الوجه الملكوتي للأشياء لم نسوه ولم ينظروا فيه حتى يتبين لهم أن ما يدعوهم إليه هو الحق؟.