فهرس الكتاب

الصفحة 1746 من 4314

و قوله:"و ما خلق الله من شيء"عطف على موضع السماوات ، وقوله"من شيء"بيان لما الموصولة ، ومعنى الآية: لم لم ينظروا في خلق السماوات والأرض وأي شيء آخر مما خلقه الله؟ لكن لا من الوجه الذي يلي الأشياء حتى ينتج العلم بخواص الأشياء الطبيعية بل من جهة أن وجوداتها غير مستقلة بنفسها مرتبطة بغيرها محتاجة إلى رب يدبر أمرها وأمر كل شيء ، وهو رب العالمين.

وقوله:"و أن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم"عطف على قوله:"ملكوت"الآية لكونه في تأويل المفرد والتقدير: أ ولم ينظروا في أنه عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فإن النظر في هذا الاحتمال ربما صرفهم عن التمادي على ضلالهم وغيهم فأغلب ما يصرف الإنسان عن الاشتغال بأمر الآخرة ، ويوجه وجهه إلى الاغترار بالدنيا نسيان الموت الذي لا يدري متى يرد رائده ، وأما إذا التفت إلى ذلك وشاهد جهله بأجله وأن من المرجو المحتمل أن يكون قد اقترب منهم فإنه يقطع منابت الغفلة ويمنعه عن اتباع الهوى وطول الأمل.

وقوله:"فبأي حديث بعده يؤمنون"الضمير للقرآن على ما يستدعيه السياق ، وفي الكلام إيئاس من إيمانهم بالمرة أي إن لم يؤمنوا بالقرآن وهو تجليه سبحانه عليهم بكلامه يكلمهم بما يضطر عقولهم بقبوله من الحجج والبراهين والموعظة الحسنة وهو مع ذلك معجزة باهرة فلا يؤمنون بشيء آخر البتة ، وقد أخبر سبحانه أنه طبع على قلوبهم فلا سبيل لهم إلى فقه القول والإيمان بالحق ، ولذلك عقبه بقوله في الآية التالية:"من يضلل الله فلا هادي له"الآية.

قوله تعالى:"من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون"العمه الحيرة والتردد في الضلال أو عدم معرفة الحجة ، وإنما لم يذكر ما يقابله وهو أن من يهدي فلا مضل له لأن الكلام مسوق لتعليل الآية السابقة:"فبأي حديث"الآية كأنه قيل: لم لا يؤمنون بحديث البتة؟ فقيل: لأن من يضلل الله الآية.

كلام في الأسماء الحسنى في فصول

1 -ما معنى الأسماء الحسنى؟

وكيف الطريق إليها؟ نحن أول ما نفتح أعيننا ونشاهد من مناظر الوجود ما نشاهده يقع إدراكنا على أنفسنا وعلى أقرب الأمور منا وهي روابطنا مع الكون الخارج من مستدعيات قوانا العاملة لإبقائنا فأنفسنا ، وقوانا ، وأعمالنا المتعلقة بها هي أول ما يدق باب إدراكنا لكنا لا نرى أنفسنا إلا مرتبطة بغيرها ولا قوانا ولا أفعالنا إلا كذلك ، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الإنسان يشاهدها من نفسه ومن كل ما يرتبط به من قواه وأعماله والدنيا الخارجة و ، عند ذلك يقضي بذات ما يقوم بحاجته ويسد خلته ، وإليه ينتهي كل شيء ، وهو الله سبحانه ، ويصدقنا في هذا النظر والقضاء قوله تعالى:"يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني".

وقد عجز التاريخ عن العثور على بدء ظهور القول بالربوبية بين الأفراد البشرية بل وجده وهو يصاحب الإنسانية إلى أقدم العهود التي مرت على هذا النوع حتى أن الأقوام الوحشية التي تحاكي الإنسان الأولي في البساطة لما اكتشفوهم في أطراف المعمورة كقطان أميركا وأستراليا وجدوا عندهم القول بقوى عالية هي وراء مستوى الطبيعة ينتحلون بها ، وهو قول بالربوبية وإن اشتبه عليهم المصداق فالإذعان بذات ينتهي إليها أمر كل شيء من لوازم الفطرة الإنسانية لا يحيد عنه إلا من انحرف عن إلهام فطرته لشبهة عرضت له كمن يضطر نفسه على الاعتياد بالسم وطبيعته تحذره بإلهامها ، وهو يستحسن ما ابتلي به.

ثم إن أقدم ما نواجهه في البحث عن المعارف الإلهية أنا نذعن بانتهاء كل شيء إليه ، وكينونته ووجوده منه فهو يملك كل شيء لعلمنا أنه لو لم يملكها لم يمكن أن يفيضها ويفيدها لغيره على أن بعض هذه الأشياء مما ليست حقيقته إلا مبنية على الحاجة منبئة عن النقيصة ، وهو تعالى منزه عن كل حاجة ونقيصة لأنه الذي إليه يرجع كل شيء في رفع حاجته ونقيصته.

فله الملك - بكسر الميم وبضمها - على الإطلاق ، فهو سبحانه يملك ما وجدناه في الوجود من صفة كمال كالحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والرزق والرحمة والعزة وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت