فهو سبحانه حي ، قادر ، عليم ، سميع ، بصير لأن في نفيها إثبات النقص ولا سبيل للنقص إليه ، ورازق ورحيم وعزيز ومحي ومميت ومبدىء ومعيد وباعث إلى غير ذلك لأن الرزق والرحمة والعزة والإحياء والإماتة والإبداء والإعادة والبعث له ، وهو السبوح القدوس العلي الكبير المتعال إلى غير ذلك نعني بها نفي كل نعت عدمي وكل صفة نقص عنه.
فهذا طريقنا إلى إثبات الأسماء والصفات له تعالى على بساطته ، وقد صدقنا كتاب الله في ذلك حيث أثبت الملك - بكسر الميم - والملك - بضم الميم - له على الإطلاق في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.
2 -ما هو حد ما نصفه أو نسميه به من الأسماء؟
تبين من الفصل الأول أنا ننفي عنه جهات النقص والحاجة التي نجدها فيما نشاهده من أجزاء العالم ، وهي تقابل الكمال كالموت والفقد والفقر والذلة والعجز والجهل ونحو ذلك ، ومعلوم أن نفي هذه الأمور ، وهي في نفسها سلبية يرجع إلى إثبات الكمال فإن في نفي الفقر إثبات الغنى ، وفي نفي الذلة والعجز والجهل إثبات العزة والقدرة والعلم وهكذا.
وأما صفات الكمال التي نثبتها له سبحانه كالحياة والقدرة والعلم ونحو ذلك فقد عرفت أنا نثبتها بالإذعان بملكه جميع الكمالات المثبتة في دار الوجود غير أنا ننفي عنه تعالى جهات الحاجة والنقص التي تلازم هذه الصفات بحسب وجودها في مصاديقها.
فالعلم في الإنسان مثلا إحاطة حضورية بالمعلوم من طريق انتزاع الصورة وأخذها بقوى بدنية من الخارج والذي يليق بساحته أصل معنى الإحاطة الحضورية ، وأما كونه من طريق أخذ الصورة المحوج إلى وجود المعلوم في الخارج قبلا ، وإلى آلات بدنية مادية مثلا فهو من النقص الذي يجب تنزيهه تعالى منه ، وبالجملة نثبت له أصل المعنى الثبوتي ونسلب عنه خصوصية المصداق المؤدية إلى النقص والحاجة.
ثم لما كنا نفينا عنه كل نقص وحاجة.
ومن النقص أن يكون الشيء محدودا بحد منتهيا بوجوده إلى نهاية فإن الشيء لا يحد نفسه وإنما يحده غيره الذي يقهره بضرب الحد والنهاية له ، ولذلك نفينا عنه كل حد ونهاية فليس سبحانه محدودا في ذاته بشيء ولا في صفاته بشيء وقد قال تعالى:"و هو الواحد القهار": الرعد: 16 فله الوحدة التي تقهر كل شيء من قبله فتحيط به.
ومن هنا قضينا أن صفاته تعالى عين ذاته ، وكل صفة عين الصفة الأخرى ، فلا تمايز إلا بحسب المفهوم ، ولو كان علمه غير قدرته مثلا ، وكل منهما غير ذاته كما فينا معاشر الإنسان مثلا لكان كل منها يحد الآخر والآخر ينتهي إليه فكان محدود وحد ومتناه ونهاية فكان تركيب وفقر إلى حاد يحدها غيره ، تعالى عن ذلك وتقدس ، وهذه صفة أحديته تعالى لا ينقسم من جهة من الجهات ، ولا يتكثر في خارج ولا في ذهن.
ومما تقدم يظهر فساد قول من قال: إن معاني صفاته تعالى ترجع إلى النفي رعاية لتنزيهه عن صفات خلقه فمعنى العلم والقدرة والحياة هناك عدم الجهل والعجز والموت ، وكذا في سائر الصفات العليا ، وذلك لاستلزامه نفي جميع صفات الكمال عنه تعالى ، وقد عرفت أن سلوكنا الفطري يدفع ذلك ، وظواهر الآيات الكريمة تنافيه: ونظيره القول بكون صفاته زائدة على ذاته أو نفي الصفات وإثبات آثارها وغير ذلك مما قيل في الصفات فكل ذلك مدفوعة بما تقدم من كيفية سلوكنا الفطري ، ولتفصيل البحث عن بطلانها محل آخر.
3 -الانقسامات التي لها:
يظهر مما قدمناه من كيفية السلوك الفطري أن من صفات الله سبحانه ما يفيد معنى ثبوتيا كالعلم والحياة وهي المشتملة على معنى الكمال ، ومنها ما يفيد معنى السلب وهي التي للتنزيه كالسبوح والقدوس ، وبذلك يتم انقسام الصفات إلى قسمين: ثبوتية ، وسلبية.