فهرس الكتاب

الصفحة 1748 من 4314

و أيضا من الصفات ما هي عين الذات ليست بزائدة عليها كالحياة والقدرة والعلم بالذات ، وهي الصفات الذاتية ، ومنها ما يحتاج في تحققه إلى فرض تحقق الذات قبلا كالخلق والرزق وهي الصفات الفعلية ، وهي زائدة على الذات منتزعة عن مقام الفعل ، ومعنى انتزاعها عن مقام أنا مثلا نجد هذه النعم التي نتنعم بها ونتقلب فيها نسبتها إلى الله سبحانه نسبة الرزق المقرر للجيش من قبل الملك إلى الملك فنسميها رزقا ، وإذ كان منتهيا إليه تعالى نسميه رازقا ، ومثله الخلق والرحمة والمغفرة وسائر الصفات والأسماء الفعلية ، فهي تطلق عليه تعالى ويسمى هو بها من غير أن يتلبس بمعانيها كتلبسه بالحياة والقدرة وغيرها من الصفات الذاتية ، ولو تلبس بها حقيقة لكانت صفات ذاتية غير خارجة من الذات فللصفات والأسماء انقسام آخر إلى الذاتية والفعلية.

ولها انقسام آخر إلى النفسية والإضافية فما لا إضافة في معناها إلى الخارج عن مقام الذات كالحياة نفسي ، وما له إضافة إلى الخارج سواء كان معنى نفسيا ذا إضافة كالصنع والخلق هي النفسية ذات الإضافة ، أو معنى إضافيا محضا كالخالقية والرازقية هي الإضافية المحضة.

4 -نسب الصفات والأسماء إلينا ونسبتها فيما بينها:

لا فرق بين الصفة والاسم غير أن الصفة تدل على معنى من المعاني يتلبس به الذات أعم من العينية والغيرية ، والاسم هو الدال على الذات مأخوذة بوصف.

فالحياة والعلم صفتان ، والحي والعالم اسمان وإذ كان اللفظ لا شأن له إلا الدلالة على المعنى وانكشافه به فحقيقة الصفة والاسم هو الذي يكشف عنه لفظ الصفة والاسم فحقيقة الحياة المدلول عليها بلفظ الحياة هي الصفة الإلهية وهي عين الذات ، وحقيقة الذات بحياتها التي هي عينها هو الاسم الإلهي ، وبهذا النظر يعود الحي والحياة اسمين للاسم والصفة وإن كانا بالنظر المتقدم نفس الاسم ونفس الصفة.

وقد تقدم أنا في سلوكنا الفطري إلى الأسماء إنما تفطنا بها من جهة ما شاهدناه في الكون من صفات الكمال فأيقنا من ذلك أن الله سبحانه مسمى بها لما أنه مالكها الذي أفاض علينا بها ، وما شاهدنا فيه من صفات النقص والحاجة فأيقنا أنه تعالى منزه منها متصف بما يقابلها من صفة الكمال وبها يرفع عنا النقص والحاجة فيما يرفع ، فمشاهدة العلم والقدرة في الكون تهدينا إلى اليقين بأن له سبحانه علما وقدرة يفيض بهما ما يفيضه من العلم والقدرة ، ومشاهدة الجهل والعجز في الوجود تدلنا على أنه منزه عنهما متصف بما يقابلهما من العلم والقدرة الذين بهما ترفع حاجتنا إلى العلم والقدرة فيما ترفع ، وهكذا في سائرها.

ومن هنا يظهر أن جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة أي إن الصفات وسائط بين الذات وبين مصنوعاته فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتيب تفيض عنه سبحانه بما أنه عالم قادر رازق منعم بالترتيب ، وجهلنا يرتفع بعلمه ، وعجزنا بقدرته ، وذلتنا بعزته ، وفقرنا بغناه ، وذنوبنا بعفوه ومغفرته ، وإن شئت فقل بنظر آخر هو يقهرنا بقهره ويحدنا بلا محدوديته ، وينهينا بلا نهايته ، ويضعنا برفعته ، ويذللنا بعزته ، ويحكم فينا بما يشاء بملكه - بالضم - ويتصرف فينا كيف يشاء بملكه - بالكسر - فافهم ذلك.

وهذا هو الذي نجري عليه بحسب الذوق المستفاد من الفطرة الصافية فمن يسأل الله الغنى ليس يقول: يا مميت يا مذل أغنني ، وإنما يدعوه بأسمائه: الغني والعزيز والقادر مثلا ، والمريض الذي يتوجه إليه لشفاء مرضه يقول: يا شافي يا معافي يا رءوف يا رحيم ارحمني واشفني ، ولن يقول: يا مميت يا منتقم يا ذا البطش اشفني: وعلى هذا القياس.

والقرآن الكريم يصدقنا في هذا السلوك والقضاء ، وهو أصدق شاهد على صحة هذا النظر فتراه يذيل آياته الكريمة بما يناسب مضامين متونها من الأسماء الإلهية ويعلل ما يفرغه من الحقائق بذكر الاسم والاسمين من الأسماء بحسب ما يستدعيه المورد من ذلك.

والقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يستعمل الأسماء الإلهية في تقرير مقاصده ، ويعلمنا علم الأسماء من بين ما بلغنا من الكتب السماوية المنسوبة إلى الوحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت