و قوله:"فأن لله خمسه"إلخ قرىء بفتح أن ، ويمكن أن يكون بتقدير حرف الجر والتقدير: واعلموا أن ما غنمتم من شيء فعلى أن لله خمسه أي هو واقع على هذا الأساس محكوم به ، ويمكن أن يكون بالعطف على أن الأولى ، وحذف خبر الأولى لدلالة الكلام عليه ، والتقدير: اعلموا أن ما غنمتم من شيء يجب قسمته فاعلموا أن خمسه لله ، أو يكون الفاء لاستشمام معنى الشرط فإن مآل المعنى إلى نحو قولنا: إن غنمتم شيئا فخمسه لله إلخ فالفاء من قبيل فاء الجزاء ، وكرر أن للتأكيد ، والأصل: اعلموا أن ما غنمتم من شيء أن خمسه لله إلخ ، والأصل الذي تعلق به العلم هو: ما غنمتم من شيء خمسه لله وللرسول إلخ ، وقد قدم لفظ الجلالة للتعظيم.
وقوله:"إن كنتم آمنتم بالله"إلخ قيد للأمر الذي يدل عليه صدر الآية أي أدوا خمسه إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ، وربما قيل: إنه متصل بقوله تعالى في الآية السابقة:"فاعلموا أن الله مولاكم"هذا والسياق الذي يتم بحيلولة قوله:"و اعلموا أنما غنمتم من شيء"إلخ لا يلائم ذلك.
وقوله تعالى:"و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان"الظاهر أن المراد به القرآن بقرينة تخصيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإنزال ، ولو كان المراد به الملائكة المنزلون يوم بدر - كما قيل - لكان الأنسب أولا: أن يقال: ومن أنزلنا على عبدنا ، أو ما يؤدي هذا المعنى وثانيا: أن يقال: عليكم لا على عبدنا فإن الملائكة كما أنزلت لنصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنزلت لنصرة المؤمنين معه كما يدل عليه قوله:"فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين:"الأنفال: - 9.
وقوله بعد ذلك:"إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا"إلخ: الأنفال: - 12.
ونظيرهما قوله:"إذ تقول للمؤمنين أ لن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكين منزلين بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين:"آل عمران: - 125.
وفي الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله:"إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا"من بسط اللطف على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واصطفائه بالقرب ما لا يخفى.
ويظهر بالتأمل فيما قدمناه من البحث في قوله تعالى في أول السورة:"يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"الآية أن المراد بقوله:"و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان"هو قوله تبارك وتعالى:"فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا"بما يحتف به من الآيات.
والمراد بقوله:"يوم الفرقان"يوم بدر كما يشهد به قوله بعده:"يوم التقى الجمعان"فإن يوم بدر هو اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل فأحق الحق بنصرته ، وأبطل الباطل بخذلانه.
وقوله تعالى:"و الله على كل شيء قدير"بمنزلة التعليل لقوله:"يوم الفرقان"بما يدل عليه من تمييزه تعالى بين الحق والباطل كأنه قيل: والله على كل شيء قدير فهو قادر أن يفرق بين الحق والباطل بما فرق.
فمعنى الآية - والله أعلم - واعلموا أن خمس ما غنمتم أي شيء كان هو لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فردوه إلى أهله إن كنتم آمنتم بالله وما أنزله على عبده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر ، وهو أن الأنفال وغنائم الحرب لله ولرسوله لا يشارك الله ورسوله فيها أحد ، وقد أجاز الله لكم أن تأكلوا منها وأباح لكم التصرف فيها فالذي أباح لكم التصرف فيها يأمركم أن تئودوا خمسها إلى أهله.
وظاهر الآية أنها مشتملة على تشريع مؤبد كما هو ظاهر التشريعات القرآنية ، وأن الحكم متعلق بما يسمى غنما وغنيمة سواء كان غنيمة حربية مأخوذة من الكفار أو غيرها مما يطلق عليه الغنيمة لغة كأرباح المكاسب والغوص والملاحة والمستخرج من الكنوز والمعادن ، وإن كان مورد نزول الآية هو غنيمة الحرب فليس للمورد أن يخصص.
وكذا ظاهر ما عد من موارد الصرف بقوله:"لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل"انحصار الموارد في هؤلاء الأصناف ، وأن لكل منهم سهما بمعنى استقلاله في أخذ السهم كما يستفاد مثله من آية الزكاة من غير أن يكون ذكر الأصناف من قبيل التمثيل.