فهذا كله مما لا ريب فيه بالنظر إلى المتبادر من ظاهر معنى الآية ، وعليه وردت الأخبار من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقد اختلفت كلمات المفسرين من أهل السنة في تفسير الآية وسنتعرض لها في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا"العدوة بالضم وقد يكسر شفير الوادي ، والدنيا مؤنث أدنى كما أن القصوى وقد يقال: القصيا مؤنث أقصى والركب كما قيل هو العير الذي كان عليه أبو سفيان بن حرب.
والظرف في قوله:"إذ أنتم بالعدوة"بيان ثان لقوله في الآية السابقة:"يوم الفرقان كما أن قوله:"يوم التقى الجمعان"بيان أول له متعلق بقوله:"أنزلنا على عبدنا"وأما ما يظهر من بعضهم أنه بيان لقوله:"و الله على كل شيء قدير"بما يفيده بحسب المورد ، والمعنى: والله قدير على نصركم وأنتم أذلة إذ أنتم نزول بشفير الوادي الأقرب ، فلا يخفى بعده ووجه التكلف فيه."
وقوله تعالى:"و لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد"سياق ما تقدمه من الجمل الكاشفة عن تلاقي الجيشين ، وكون الركب أسفل منهم ، وأن الله بقدرته التي قهرت كل شيء فرق بين الحق والباطل ، وأيد الحق على الباطل ، وكذا قوله بعد:"و لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا"كل ذلك يشهد على أن المراد بقوله:"و لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد"بيان أن التلاقي على هذا الوجه لم يكن إلا بمشية خاصة من الله سبحانه حيث نزل المشركون وهم ذوو عدة وشدة بالعدوة القصوى وفيها الماء والأرض الصلبة ، والمؤمنون على قلة عددهم وهوان أمرهم بالعدوة الدنيا ولا ماء فيها والأرض رملية لا تثبت تحت أقدامهم ، وتخلص العير منهم إذ ضرب أبو سفيان في الساحل أسفل ، وتلاقى الفريقان لا حاجز بينهما ولا مناص عندئذ عن الحرب ، فالتلاقي والمواجهة على هذا الوجه ثم ظهور المؤمنين على المشركين ، لم يكن عن أسباب عادية بل لمشية خاصة إلهية ظهرت بها قدرته وبانت بها عنايته الخاصة ونصره وتأييده للمؤمنين.
فقوله:"و لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد"بيان أن هذا التلاقي لم يكن عن سابق قصد وعزيمة ، ولا روية أو مشورة ، ولهذا المعنى عقبه بقوله:"و لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا"بما فيه من الاستدراك.
وقوله"ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة"لتعليل ما قضي به من الأمر المفعول أي إن الله إنما قضى هذا الذي جرى بينكم من التلاقي والمواجهة ثم تأييد المؤمنين وخذلان المشركين ليكون ذلك بينة ظاهرة على حقية الحق وبطلان الباطل فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
وبذلك يظهر أن المراد بالهلاكة والحياة هو الهدى والضلال لأن ذلك هو الذي يرتبط به وجود الآية البينة ظاهرا.
وكذا قوله:"و إن الله لسميع عليم"عطف على قوله:"ليهلك من هلك عن بينة"إلخ ، أي وإن الله إنما قضى ما قضى وفعل ما فعل لأنه سميع يسمع دعاءكم عليم يعلم ما في صدوركم ، وفيه إشارة إلى ما ذكره في صدر الآيات:"إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم"إلى آخر الآيات.
وعلى هذا السياق - أي لبيان أن مرجع الأمر في هذه الواقعة هو القضاء الخاص الإلهي دون الأسباب العادية - سيق قوله تعالى بعد:"إذ يريكهم الله في منامك قليلا"إلخ ، وقوله:"و إذ زين لهم الشيطان أعمالهم"إلخ ، وقوله:"إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم"إلخ.
ومعنى الآية يوم الفرقان هو الوقت الذي أنتم نزول بالعدوة الدنيا وهم نزول بالعدوة القصوى ، وقد توافق نزولكم بها ونزولهم بها بحيث لو تواعدتم بينكم أن تلتقوا بهذا الميعاد لاختلفتم فيه ولم تتلاقوا على هذه الوتيرة فلم يكن ذلك منكم ولا منهم ولكن ذلك كان أمرا مفعولا والله قاضيه وحاكمه ، وإنما قضى ما قضى ليظهر آية بينة فتتم بذلك الحجة ، ولأنه قد استجاب بذلك دعوتكم بما سمع من استغاثتكم وعلم به من حاجة قلوبكم.
قوله تعالى:"إذ يريكهم الله في منامك قليلا"إلى آخر الآية ، الفشل هو الضعف مع الفزع ، والتنازع هو الاختلاف وهو من النزع نوع من القلع كأن المتنازعين ينزع كل منهما الآخر عما هو فيه ، والتسليم هو النتيجة.