فهرس الكتاب

الصفحة 1817 من 4314

و الكلام على تقدير اذكر أي اذكر وقتا يريكهم الله في منامك قليلا ، وإنما أراكهم قليلا ليربط بذلك قلوبكم وتطمئن نفوسكم ولو أراكهم كثيرا ثم ذكرتها للمؤمنين أفزعكم الضعف واختلفتم في أمر الخروج إليهم ولكنه تعالى نجاكم بإراءتهم قليلا عن الفشل والتنازع إنه عليم بذات الصدور وهي القلوب يشهد ما يصلح به حال القلوب في اطمئنانها وارتباطها وقوتها.

والآية تدل على أن الله سبحانه أرى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤيا مبشرة رأى فيها ما وعده الله من إحدى الطائفتين أنها لهم وقد أراهم قليلا لا يعبأ بشأنهم ، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر ما رآه للمؤمنين ووعدهم وعد تبشير فعزموا على لقائهم.

والدليل على ذلك قوله:"و لو أراكهم كثيرا لفشلتم"إلخ وهو ظاهر.

قوله تعالى:"و إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم إلى آخر"الآية.

معنى الآية ظاهر ، ولا تنافي بين هذه الآية وقوله تعالى:"قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء:"آل عمران: - 13 بناء على أن الآية تشير إلى وقعة بدر.

وذلك أن التقليل الذي يشير إليه في الآية المبحوث عنها مقيد بقوله:"إذ التقيتم"وبذلك يرتفع التنافي كأن الله سبحانه أرى المؤمنين قليلا في أعين المشركين في بادىء الالتقاء ليستحقروا جمعهم ويشجعهم ذلك على القتال والنزال حتى إذا زحفوا واختلطوا ، كثر المؤمنين في أعينهم فرأوهم مثليهم رأي العين فأوهن بذلك عزمهم وأطار قلوبهم فكانت الهزيمة فآية الأنفال تشير إلى أول الوقعة ، وآية آل عمران إلى ما بعد الزحف والاختلاط وقوله:"ليقضي الله أمرا كان مفعولا"متعلق بقوله:"يريكموهم"وتعليل لمضمونه.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون"إلى آخر الآيات الثلاث.

قال الراغب في المفردات: الثبات - بفتح الثاء - ضد الزوال انتهى فهو في المورد ضد الفرار من العدو ، وهو بحسب ما له من المعنى أعم من الصبر الذي يأمر به في قوله:"و اصبروا إن الله مع الصابرين"فالصبر ثبات قبال المكروه بالقلب بأن لا يضعف ولا يفزع ولا يجزع ، وبالبدن بأن لا يتكاسل ولا يتساهل ولا يزول عن مكانه ولا يعجل فيما لا يحمد فيه العجل فالصبر ثبات خاص.

والريح على ما قيل ، العز والدولة ، وقد ذكر الراغب أن الريح في الآية بمعنى الغلبة استعارة كأن من شأن الريح أن تحرك ما هبت عليه وتقلعه وتذهب به ، والغلبة على العدو يفعل به ما تفعله الريح بالشيء كالتراب فاستعيرت لها.

وقال الراغب: البطر دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها قال عز وجل:"بطرا ورئاء الناس"وقال:"بطرت معيشتها"وأصله: بطرت معيشته فصرف عنه الفعل ونصب ، ويقارب البطر الطرب ، وهو خفة أكثر ما يعتري من الفرح وقد يقال ذلك في الترح ، والبيطرة معالجة الدابة.

انتهى.

والرئاء المراءاة.

وقوله:"فاثبتوا"أمر بمطلق الثبوت أمام العدو ، وعدم الفرار منه فلا يتكرر بالأمر ثانيا بالصبر كما تقدمت الإشارة إليه.

وقوله:"و اذكروا الله كثيرا"أي في جنانكم ولسانكم فكل ذلك ذكر ، ومن المعلوم أن الأحوال القلبية الباطنة من الإنسان هي التي تميز مقاصده وتشخصها سواء وافقها اللفظ كالفقير المستغيث بالله من فقره وهو يقول: يا غني والمريض المستغيث به من مرضه وهو يقول: يا شافي ولو قال الفقير في ذلك: يا الله أو قال المريض فيه ذلك لكان معناه: يا غني ويا شافي لأنهما بمقتضى الحال الباعث لهما على الاستغاثة والدعوة لا يريدان إلا ذلك كما هو ظاهر.

والذي يخرج إلى قتال عدوه ، ثم لقيه واستعد الظرف للقتال ، وليس فيه إلا زهاق النفوس ، وسفك الدماء ونقص الأطراف وكل ما يهدد الإنسان بالفناء في ما يحبه فإن حاله يحول فكرته ويصرف إرادته إلى الظفر بما يريده بالقتال ، والغلبة على العدو الذي يهدده بالفناء ، والذي حاله هذا الحال وتفكيره هذا التفكير إنما يذكر الله سبحانه بما يناسب حاله وتنصرف إليه فكرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت