فهرس الكتاب

الصفحة 1818 من 4314

و هذا أقوى قرينة على أن المراد بذكر الله كثيرا أن يذكر المؤمن ما علمه تعالى من المعارف المرتبطة بهذا الشأن وهو أنه تعالى إلهه وربه الذي بيده الموت والحياة وهو على نصره لقدير ، وأنه هو مولاه نعم المولى ونعم النصير ، وقد وعده النصر إذ قال: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ، وإن الله لا يضيع أجر المحسنين وإن مآل أمره في قتاله إلى إحدى الحسنيين إما الظفر على عدوه ورفع راية الإسلام وإخلاص الجو لسعادته الدينية ، وإما القتل في سبيل الله والانتقال بالشهادة إلى رحمته ، والدخول في حظيرة كرامته ، ومجاورة المقربين من أوليائه ، وما في هذا الصف من المعارف الحقيقية التي تدعو إلى السعادة الواقعية والكرامة السرمدية.

وقد قيد الذكر بالكثير لتتجدد به روح التقوى كلما لاح للإنسان ما يصرف نفسه إلى حب الحياة الفانية والتمتع بزخارف الدنيا الغارة والخطورات النفسانية التي يلقيها الشيطان بتسويله.

وقوله:"و أطيعوا الله ورسوله"ظاهر السياق أن المراد بها إطاعة ما صدر من ناحيته تعالى وناحية رسوله من التكاليف والدساتير المتعلقة بالجهاد والدفاع عن حومة الدين وبيضة الإسلام مما تشتمل عليه آيات الجهاد والسنة النبوية كالابتداء بإتمام الحجة وعدم التعرض للنساء والذراري والكف عن تبييت العدو وغير ذلك من أحكام الجهاد.

وقوله:"و لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"أي ولا تختلفوا بالنزاع فيما بينكم حتى يورث ذلكم ضعف إرادتكم وذهاب عزتكم ودولتكم أو غلبتكم فإن اختلاف الآراء يخل بالوحدة ويوهن القوة.

وقوله:"و اصبروا إن الله مع الصابرين"أي الزموا الصبر على ما يصيبكم من مكاره القتال مما يهددكم به العدو ، وعلى الإكثار من ذكر الله ، وعلى طاعة الله ورسوله من غير أن يهزهزكم الحوادث أو يزجركم ثقل الطاعة أو تغويكم لذة المعصية أو يضلكم عجب النفس وخيلاؤها.

وقد أكد الأمر بالصبر بقوله:"إن الله مع الصابرين"لأن الصبر أقوى عون على الشدائد وأشد ركن تجاه التلون في العزم وسرعة التحول في الإرادة ، وهو الذي يخلي بين الإنسان وبين التفكير الصحيح المطمئن حيث يهجم عليه الخواطر المشوشة والأفكار الموهنة لإرادته عند الأهوال والمصائب من كل جانب فالله سبحانه مع الصابرين.

وقوله:"و لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس"الآية نهي عن اتخاذ طريقة هؤلاء البطرين المرائين الصادين عن سبيل الله ، وهم على ما يفيده سياق الكلام في الآيات ، كفار قريش ، وما ذكره من أوصافهم أعني البطر ورئاء الناس والصد عن سبيل الله هو الذي أوجب النهي عن التشبه بهم واتخاذ طريقتهم بدلالة السياق ، وقوله:"و الله بما يعملون محيط"ينبىء عن إحاطته تعالى بأعمالهم وسلطنته عليها وملكه لها ، ومن المعلوم أن لازم ذلك كون أعمالهم داخلة في قضائه متمشية بإذنه ومشيته وما هذا شأنه لا يكون مما يعجز الله سبحانه فالجملة كالكناية عما يصرح به بعد عدة آيات بقوله:"و لا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون:"الأنفال: - 59.

وظاهر أن أخذ هذه القيود أعني قوله:"بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله"يوجب تعلق النهي بها والتقدير: ولا تخرجوا من دياركم إلى قتل أعداء الدين بطرين ومرائين بالتجملات الدنيوية ، وصد الناس عن سبيل الله بدعوتهم بأقوالكم وأفعالكم إلى ترك تقوى الله والتوغل في معاصيه والانخلاع عن طاعة أوامره ودساتيره فإن ذلك يحبط أعمالكم ويطفىء نور الإيمان ويبطل أثره عن جمعكم فلا طريق إلى نجاح السعي والفوز بالمقاصد الهامة إلا سوي الصراط الذي يمهده الدين القويم وتسهله الملة الفطرية والله لا يهدي القوم الفاسقين إلى مقاصدهم الفاسدة.

وقد اشتملت الآيات الثلاث على أمور ستة أوجب الله سبحانه على المؤمنين رعايتها في الحروب الإسلامية عند اللقاء وهي الثبات ، وذكر الله كثيرا ، وطاعة الله ورسوله ، وعدم التنازع ، وأن لا يخرجوا بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت