فهرس الكتاب

الصفحة 1819 من 4314

و مجموع الأمور الستة دستور حربي جامع لا يفقد من مهام الدستورات الحربية شيئا ، والتأمل الدقيق في تفاصيل الوقائع في تاريخ الحروب الإسلامية الواقعة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كبدر وأحد والخندق وحنين وغير ذلك يوضح أن الأمر في الغلبة والهزيمة كان يدور مدار رعاية المسلمين مواد هذا الدستور الإلهي وعدم رعايتها ، والمراقبة لها والمساهلة فيها.

قوله تعالى:"و إذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم"إلى آخر الآية ، تزيين الشيطان للإنسان عمله هو إلقاؤه في قلبه كون العمل حسنا جميلا يستلذ به وذلك بتهييج قواه الباطنة وعواطفه الداخلة المتعلقة بذلك العمل فينجذب إليه قلبه ، ولا يجد فراغا يعقل ما له من سوء الأثر وشؤم العاقبة.

وليس من البعيد أن يكون قوله:"و قال لا غالب لكم اليوم"الآية مفسرا أو بمنزلة المفسر للتزيين الشيطاني على أن يكون المراد بالأعمال نتائجها وهي ما هيئوه من قوة وسلاح وعدة وما أخرجوه من القيان والمعازف والخمور ، وما تظاهروا به من نظام الجيش والجنائب تساق بين أيديهم ، ويمكن أن يكون المراد بها نفس الأعمال وهي أنواع تماديهم في الغي والضلال وإصرارهم في محادة الله ورسوله ، واسترسالهم في الظلم والفسق فيكون قوله المحكي:"لا غالب لكم اليوم من الناس"مما يتم به تزيين الشيطان ، وتطيب به نفوسهم فيما اهتموا به من قتال المسلمين ، وقد أكمل ذلك بقوله:"و إني جار لكم".

والجوار من سنن العرب في الجاهلية التي كانت تعيش عيشة القبائل ، ومن حقوق الجوار نصرة الجار للجار إذا دهمه عدو ، وله آثار مختلفة بحسب السنن الجارية في المجتمعات الإنسانية.

وقوله:"فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه"النكوص الإحجام عن الشيء و"على عقبيه"حال والعقب مؤخر القدم أي أحجم وقد رجع القهقرى منهزما وراءه.

وقوله:"إني أرى ما لا ترون"الآية تعليل لقوله:"إني بريء منكم"ولعله إشارة إلى نزول الملائكة المردفين الذين نصر الله المسلمين بهم ، وكذا قوله:"إني أخاف الله والله شديد العقاب"تعليل لقوله:"إني بريء منكم"ومفسر للتعليل السابق.

والمعنى ويوم الفرقان هو الوقت الذي زين الشيطان للمشركين ما كانوا يعملونه لمحادة الله ورسوله وقتال المؤمنين ، ويتلبسون به للتهيؤ على إطفاء نور الله ، فزين ذلك في أنظارهم ، وطيب نفوسهم بقوله: لا غالب لكم اليوم من الناس ، وإني مجير لكم أذب عنكم فلما تراءت الفئتان فرأى المشركون المؤمنين والمؤمنون المشركين رجع الشيطان القهقرى منهزما وراءه وقال للمشركين إني بريء منكم إني أرى ما لا ترونه من نزول ملائكة النصر للمؤمنين وما عندهم من العذاب الذي يهددكم إني أخاف عذاب الله والله شديد العقاب.

وهذا المعنى - كما ترى - يقبل الانطباق على وسوسة الشيطان لهم في قلوبهم وتهييجهم على المؤمنين وتشجيعهم على قتالهم وتطييب نفوسهم بما استعدوا به حتى إذا تراءت الفئتان ونزل النصر واستولى الرعب على قلوبهم انتكست أوهامهم وتبدلت أفكارهم وعادت مزعمة الغلبة وأمنية الفتح والظفر مخافة مستولية على نفوسهم وخيبة ويأسا شاملة لقلوبهم.

ويقبل الانطباق على تصور شيطاني يبدو لهم فتنجذب إليه حواسهم بأن يكون قد تصور لهم في صورة إنسان ويقول لهم ما حكاه الله من قوله:"لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم"فيغويهم ويسيرهم ويقربهم من القتال حتى إذا تقاربت الفئتان وتراءتا فلما تراءت الفئتان ورأى الوضع على خلاف ما كان يؤمله ويطمع فيه نكص على عقبيه وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون من نزول النصر والملائكة إني أخاف الله والله شديد العقاب ، وقد ورد في روايات القصة من طرق الشيعة وأهل السنة ما يؤيد هذا الوجه.

وهو أن الشيطان تصور للمشركين في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني ثم المدلجي وكان من أشراف كنانة وقال لهم ما قال وحمل رايتهم حتى إذا تلاقى الفريقان فر منهزما وهو يقول:"إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون"إلى آخر ما حكاه الله تعالى ، وستجيء الرواية في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت