فهرس الكتاب

الصفحة 1820 من 4314

و قد أصر بعض المفسرين على الوجه الأول ، ورد الثاني بتزييف الآثار المروية وتضعيف أسناد الأخبار ، وهي وإن لم تكن متواترة ولا محفوفة ببعض القرائن القطعية الموجبة للوثوق التام لكن أصل المعنى ليس من المستحيل الذي يدفعه العقل السليم ، ولا من القصص التي تدفعها آثار صحيحة ، ولا مانع من أن يتمثل لهم الشيطان فيوردهم مورد الضلال والغي حتى إذا تم له ما أراد تركهم في تهلكتهم أو حتى شاهد عذابا إلهيا نكص على عقبيه هاربا.

على أن سياق الآية الكريمة أقرب إلى إفادة هذا الوجه الثاني منه إلى الوجه الأول ، وخاصة بالنظر إلى قوله:"و إني جار لكم"وقوله:"فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه"وقوله:"إني أرى ما لا ترون"الآية فإن إرجاع معنى قوله:"إني أرى"إلخ مثلا إلى الخواطر النفسانية بنوع من العناية الاستعارية بعيد جدا.

قوله تعالى:"إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم"إلى آخر الآية ، أي يقول المنافقون وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ، والذين في قلوبهم مرض وهم الضعفاء في الإيمان ممن لا يخلو نفسه من الشك والارتياب.

يقولون - مشيرين إلى المؤمنين إشارة تحقير واستذلال -: غر هؤلاء دينهم إذ لو لا غرور دينهم لم يقدموا على هذه المهلكة الظاهرة ، وهم شرذمة أذلاء لا عدة لهم ولا عدة ، وقريش على ما بهم من العدة والقوة والشوكة.

قوله تعالى:"و من يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم"في مقام الجواب عن قولهم وإبانة غرورهم أنفسهم وقوله::"فإن الله عزيز حكيم"من وضع السبب موضع المسبب ، والمعنى: وقد أخطأ هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض في قولهم فإن المؤمنين توكلوا على الله ونسبوا حقيقة التأثير إليه وضموا أنفسهم إلى قوته وحوله ، ومن يتوكل أمره على الله فإن الله يكفيه لأنه عزيز ينصر من استنصره حكيم لا يخطىء في وضع كل أمر موضعه الذي يليق به.

وفي الآية دليل على حضور جمع من المنافقين وضعفاء الإيمان ببدر حين تلاقي الفئتين.

أما المنافقون وهم الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فلا معنى لكونهم بين المشركين فلم يكونوا إلا بين المسلمين لكن الشأن في العامل الذي أوجب منهم الثبات واليوم يوم شديد.

وأما الضعفاء الإيمان أو الشاكون في حقيقة الإسلام فمن الممكن أن يكونوا بين المؤمنين أو في فئة المشركين وقد قيل إنهم كانوا فئة من قريش أسلموا بمكة واحتبسهم آباؤهم واضطروا إلى الخروج مع المشركين إلى بدر حتى إذا حضروها وشاهدوا ما عليه المسلمون من القلة والذلة قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم ، وسيجيء في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.

وعلى أي حال ينبغي إمعان النظر في البحث عما تفيده هذه الآية من حضور جمع من المنافقين والذين في قلوبهم مرض يوم بدر عند القتال ، واستخراج حقيقة السبب الذي أوجب لهؤلاء المنافقين والضعفاء حضور هذه الغزوة ، والوقوف في ذلك الموقف الصعب الهائل الذي لا يساعد عليه الأسباب العادية ولا يقف فيه إلا رجال الحقيقة الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان.

وأنهم لما ذا حضروها؟ وكيف ولما ذا صبروا مع الصابرين من فئة الإسلام؟ ولعلنا نوفق لبعض البحث في ذلك فيما سيوافي من آيات سورة التوبة في شأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"و لو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة"إلى تمام الآيتين.

التوفي أخذ الحق بتمامه ، ويستعمل في كلامه تعالى كثيرا بمعنى قبض الروح ، ونسبة قبض أرواحهم إلى الملائكة مع ما في بعض الآيات من نسبته إلى ملك الموت ، وفي بعض آخر إلى الله سبحانه كقوله:"قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم:"الم السجدة: - 11 ، وقوله:"الله يتوفى الأنفس حين موتها:"الزمر: - 42 دليل على أن لملك الموت أعوانا يتولون قبض الأرواح هم بمنزلة الأيدي العمالة له يصدرون عن إذنه ويعملون عن أمره ، كما أنه يصدر عن إذن من الله ويعمل عن أمر منه ، وبذلك يصح نسبة التوفي إلى الملائكة الأعوان ، وإلى ملك الموت ، وإلى الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت