فهرس الكتاب

الصفحة 1849 من 4314

و قد اتفقت كلمة أهل النقل أن الآيات نزلت سنة تسع من الهجرة فإذا فرض أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر العاشر من ذي الحجة كانت الأربعة الأشهر هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشرة أيام من ربيع الآخر.

وعند قوم أن الأربعة الأشهر تبتدأ من يوم العشرين من ذي القعدة وهو يوم الحج الأكبر عندهم فالأربعة الأشهر هي عشرة أيام من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم وصفر وعشرون من ربيع الأول ، وسيأتي ما فيه.

وذكر آخرون: أن الآيات نزلت أول شوال سنة تسع من الهجرة فتكون الأربعة الأشهر هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فتنقضي بانقضاء الأشهر الحرم ، وقد حدأهم إلى ذلك القول بأن المراد بقوله تعالى فيما سيأتي:"فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا"الأشهر الحرم المعروفة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم فيوافي انسلاخ الأشهر الحرم انقضاء الأربعة الأشهر ، وهذا قول بعيد عن الصواب لا يساعد عليه السياق وقرينة المقام كما عرفت.

قوله تعالى:"و أذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله"الأذان هو الإعلام ، وليست الآية تكرارا لقوله تعالى السابق"براءة من الله ورسوله"فإن الجملتين وإن رجعتا إلى معنى واحد وهو البراءة من المشركين إلا أن الآية الأولى إعلام البراءة وإبلاغه إلى المشركين بدليل قوله في ذيل الآية:"إلى الذين عاهدتم من المشركين"بخلاف الآية الثانية فإن وجه الخطاب فيه إلى الناس ليعلموا براءة الله ورسوله من المشركين ، ويستعدوا ويتهيئوا لإنفاذ أمر الله فيهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم بدليل قوله:"إلى الناس وقوله تفريعا:"فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"إلى آخر الآية."

وقد اختلفوا في تعيين المراد بيوم الحج الأكبر على أقوال: منها: أنه يوم النحر من سنة التسع من الهجرة لأنه كان يوما اجتمع فيه المسلمون والمشركون ولم يحج بعد ذلك العام مشرك ، وهو المؤيد بالأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والأنسب بأذان البراءة ، والاعتبار يساعد عليه لأنه كان أكبر يوم اجتمع فيه المسلمون والمشركون من أهل الحج عامة بمنى وقد ورد من طرق أهل السنة روايات في هذا المعنى غير أن مدلول جلها أن الحج الأكبر اسم يوم النحر فيتكرر على هذا كل سنة ولم يثبت من طريق النقل تسمية على هذا النحو.

ومنها: أنه يوم عرفة لأن فيه الوقوف ، والحج الأصغر هو الذي ليس فيه وقوف وهو العمرة ، وهو استحسان لا دليل عليه ، ولا سبيل إلى تشخيص صحته.

ومنها: أنه اليوم الثاني ليوم النحر لأن الإمام يخطب فيه وسقم هذا الوجه ظاهر.

ومنها: أنه جميع أيام الحج كما يقال: يوم الجمل ، ويوم صفين ، ويوم بغاث ، ويراد به الحين والزمان ، وهذا القول لا يقابل سائر الأقوال كل المقابلة فإنه إنما يبين أن المراد باليوم جميع أيام الحج ، وأما وجه تسمية هذا الحج بالحج الأكبر فيمكن أن يوجه ببعض ما في الأقوال السابقة كما في القول الأول.

وكيف كان فالاعتبار لا يساعد على هذا القول لأن وجود يوم بين أيام الحج يجتمع فيه عامة أهل الحج يتمكن فيه من أذان براءة كل التمكن كيوم النحر يصرف قوله:"يوم الحج الأكبر"إلى نفسه ، ويمنع شموله لسائر أيام الحج التي لا يجتمع فيها الناس ذاك الاجتماع.

ثم التفت سبحانه إلى المشركين ثانيا وذكرهم أنهم غير معجزين لله ليكونوا على بصيرة من أمرهم كما ذكرهم بذلك في الآية السابقة بقوله:"و اعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين"غير أنه زاد عليه في هذه الآية قوله:"فإن تبتم فهو خير لكم"ليكون تصريحا بما لوح إليه في الآية السابقة فإن التذكير بأنهم غير معجزي الله إنما كان بمنزلة العظة وبذل النصح لهم لئلا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة باختيار البقاء على الشرك والتولي عن الدخول في دين التوحيد ففي الترديد تهديد ونصيحة وعظة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت