فهرس الكتاب

الصفحة 1850 من 4314

ثم التفت سبحانه إلى رسوله فخاطبه أن يبشر الذين كفروا بعذاب أليم فقال:"و بشر الذين كفروا بعذاب أليم"والوجه في الالتفات الذي في قوله:"فإن تبتم فهو خير لكم"إلخ ما تقدم في قوله:"فسيحوا في الأرض"إلخ ، وفي الالتفات الذي في قوله:"و بشر الذين كفروا"إلخ إنه رسالة لا تتم إلا من جهة مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى:"إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا"إلخ ، استثناء من عموم البراءة من المشركين ، والمستثنون هم المشركون الذين لهم عهد لم ينقضوه لا مستقيما ولا غير مستقيم فمن الواجب الوفاء بميثاقهم وإتمام عهدهم إلى مدتهم.

وقد ظهر بذلك أن المراد من إضافة قوله:"و لم يظاهروا عليكم أحدا"إلى قوله:"لم ينقصوكم شيئا"استيفاء قسمي النقض وهما النقض المستقيم كقتلهم بعض المسلمين ، والنقض غير المستقيم نظير مظاهرتهم بعض أعداء المسلمين عليهم كإمداد مشركي مكة بني بكر على خزاعة بالسلاح ، وكانت بنو بكر في عهد قريش وخزاعة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحاربوا فأعانت قريش بني بكر على خزاعة ونقضت بذلك عهد حديبية الذي عقدوه بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان ذلك من أسباب فتح مكة سنة ثمان.

وقوله تعالى:"إن الله يحب المتقين"في مقام التعليل لوجوب الوفاء بالعهد ما لم ينقضه المعاهد المشرك ، وذلك يجعل احترام العهد وحفظ الميثاق أحد مصاديق التقوى المطلق الذي لا يزال يأمر به القرآن وقد صرح به في نظائر هذا المورد كقوله تعالى:"و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى:"المائدة: - 8 وقوله:"و لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله:"المائدة: - 2.

وبذلك يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالمتقين الذين يتقون نقض العهد من غير سبب ، وذلك أن التقوى بمعنى الورع عن محارم الله عامة كالحقيقة الثانية في القرآن فيحتاج إرادة خلافه إلى قرينة صارفة.

قوله تعالى:"فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد"أصل الانسلاخ من سلخ الشاة وهو نزع جلدها عنها ، وانسلاخ الشهر نوع كناية عن خروجه ، والحصر هو المنع من الخروج عن محيط ، والمرصد اسم مكان من الرصد بمعنى الاستعداد للرقوب.

قال الراغب: الرصد الاستعداد للترقب يقال: رصد له وترصد وأرصدته له ، قال عز وجل:"و إرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل"، وقوله عز وجل:"إن ربك لبالمرصاد تنبيها أنه لا ملجأ ولا مهرب ، والرصد يقال للراصد الواحد والجماعة الراصدين وللمرصود واحدا كان أو جمعا ، وقوله تعالى:"يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا"يحتمل كل ذلك ، والمرصد موضع الرصد."

انتهى.

والمراد بالأشهر الحرم هي الأربعة الأشهر: أشهر السياحة التي ذكرها الله سبحانه في قوله:"فسيحوا في الأرض أربعة أشهر"وجعلها أجلا مضروبا للمشركين لا يتعرض فيها لحالهم وأما الأشهر الحرم المعروفة أعني ذا القعدة وذا الحجة والمحرم فإنها لا تنطبق على أذان براءة الواقع في يوم النحر عاشر ذي الحجة بوجه كما تقدمت الإشارة إليه.

وعلى هذا فاللام في الأشهر الحرم للعهد الذكري أي إذا انسلخ هذه الأشهر التي ذكرناها وحرمناها للمشركين لا يتعرض لحالهم فيها فاقتلوا المشركين إلخ.

ويظهر بذلك أن لا وجه لحمل قوله:"فإذا انسلخ الأشهر الحرم"على انسلاخ ذي القعدة وذي الحجة والمحرم بأن يكون انسلاخ الأربعة الأشهر بانسلاخ الأشهر الثلاثة منطبقا عليه أو يكون انسلاخ الأشهر الحرم مأخوذا على نحو الإشارة إلى انقضاء الأربعة الأشهر وإن لم ينطبق الأشهر على الأشهر فإن ذلك كله مما لا سبيل إليه بحسب السياق وإن كان لفظ الأشهر الحرم في نفسه ظاهرا في شهور رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت