فهرس الكتاب

الصفحة 1851 من 4314

و قوله:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"محقق للبراءة منهم ورفع الاحترام عن نفوسهم بإهدار الدماء فلا مانع من أي نازلة نزلت بهم ، وفي قوله:"حيث وجدتموهم"تعميم للحكم فلا مانع حاجب عن وجوب قتلهم حيثما وجدوا في حل أو حرم بل ولو ظفر بهم في الشهر الحرام - بناء على تعميم"حيث"للزمان والمكان كليهما - فيجب على المسلمين كائنين من كانوا إذا ظفروا بهم أن يقتلوهم ، كان ذلك في الحل أو الحرم في الشهر الحرام أو غيره.

وإنما أمر بقتلهم حيث وجدوا للتوسل بذلك إلى إيرادهم مورد الفناء والانقراض ، وتطييب الأرض منهم ، وإنجاء الناس من مخالطتهم ومعاشرتهم بعد ما سمح وأبيح لهم ذلك في قوله:"فسيحوا في الأرض أربعة أشهر".

ولازم ذلك أن يكون كل من قوله:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"وقوله:"و خذوهم"وقوله:"و احصروهم"وقوله:"و اقعدوا لهم كل مرصد"بيانا لنوع من الوسيلة إلى إفناء جمعهم وإنفاد عددهم ، ليتفصى المجتمع من شرهم.

فإن ظفر بهم وأمكن قتلهم قتلوا ، وإن لم يمكن ذلك قبض عليهم وأخذوا ، وإن لم يمكن أخذهم حصروا وحبسوا في كهفهم ومنعوا من الخروج إلى الناس ومخالطتهم وإن لم يعلم محلهم قعد لهم في كل مرصد ليظفر بهم فيقتلوا أو يؤخذوا.

ولعل هذا المعنى هو مراد من قال: إن المراد: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أو خذوهم واحصروهم على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين ، وإن كان لا يخلو عن تكلف من جهة اعتبار الأخذ والحصر والقعود في كل مرصد أمرا واحدا في قبال القتل ، وكيف كان فالسياق إنما يلائم ما قدمناه من المعنى.

وأما قول من قال: إن في قوله:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ، تقديما وتأخيرا ، والتقدير: فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم فهو من التصرف في معنى الآية من غير دليل مجوز ، والآية وخاصة ذيلها يدفع ذلك سياقا."

ومعنى الآية: فإذا انسلخ الأشهر الحرم وانقضى الأربعة الأشهر التي أمهلناهم بها بقولنا:"فسيحوا في الأرض أربعة أشهر"فأفنوا المشركين بأي وسيلة ممكنة رأيتموها أقرب وأوصل إلى إفناء جمعهم وإمحاء رسمهم من قتلهم أينما وجدتموهم من حل أو حرم ومتى ما ظفرتم بهم في شهر حرام أو غيره ومن أخذهم أو حصرهم أو القعود لهم في كل مرصد حتى يفنوا عن آخرهم.

قوله تعالى:"فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم"اشتراط في معنى الغاية للحكم السابق ، والمراد بالتوبة معناها اللغوي وهو الرجوع أي إن رجعوا من الشرك إلى التوحيد بالإيمان ونصبوا لذلك حجة من أعمالهم وهي الصلاة والزكاة والتزموا أحكام دينكم الراجعة إلى الخالق جميعا فخلوا سبيلهم.

وتخلية السبيل كناية عن عدم التعرض لسالكيه وإن عادت مبتذلة بكثرة التداول كان سبيلهم مسدودة مشغولة بتعرض المتعرضين فإذا خلي عنها كان ذلك ملازما أو منطبقا على عدم التعرض لهم.

وقوله:"إن الله غفور رحيم"تعليل لقوله:"فخلوا سبيلهم"إما من جهة الأمر الذي يدل عليه بصورته أو من جهة المأمور به الذي يدل عليه بمادته أعني تخلية سبيلهم.

والمعنى على الأول: وإنما أمر الله بتخلية سبيلهم لأنه غفور رحيم يغفر لمن تاب إليه ويرحمه.

وعلى الثاني: خلوا سبيلهم لأن تخليتكم سبيلهم من المغفرة والرحمة ، وهما من صفات الله العليا فتتصفون بذلك بصفة ربكم وأظهر الوجهين هو الأول.

قوله تعالى:"و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله"إلى آخر الآية ، الآية تتضمن حكم الإجارة لمن استجار من المشركين لأن يسمع كلام الله ، وهي بما تشتمل عليه من الحكم وإن كانت معترضة أو كالمعترضة بين ما يدل على البراءة ورفع الأمان عن المشركين إلا أنها بمنزلة دفع الدخل الواجب الذي لا يجوز إهماله فإن أساس هذه الدعوة الحقة وما يصاحبها من الوعد والوعيد والتبشير والإنذار ، وما يترتب عليه من عقد العقود وإبرام العهود أو النقض والبراءة وأحكام القتال كل ذلك إنما هو لصرف الناس عن سبيل الغي والضلال إلى صراط الرشد والهدى ، وإنجائهم من شقاء الشرك إلى سعادة التوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت