فهرس الكتاب

الصفحة 1852 من 4314

و لازم ذلك الاعتناء التام بكل طريق يرجى فيه الوصول إلى هداية ضال والفوز بإحياء حق وإن كان يسيرا قليلا فإن الحق حق وإن كان يسيرا ، والمشرك غير المعاهد وإن أبرأ الله منه الذمة وأهدر دمه ورفع الحرمة عن كل ما يعود إليه من مال وعرض لكنه تعالى إنما فعل به ذلك ليحيي حق ويبطل باطل فإذا رجي منه الخير منع ذلك من أي قصد سيىء يقصد به حتى يحصل اليأس من هدايته وإنجائه.

فإذا استجار المشرك لينظر فيما تندب إليه الدعوة الحقة ويتبعها إن اتضحت له كان من الواجب إجارته حتى يسمع كلام الله ويرتفع عنه غشاوة الجهل وتتم عليه الحجة فإذا تمادى بعد ذلك في ضلاله وأصر في استكباره صار ممن ارتفع عنه الأمان وبرئت منه الذمة ووجب تطييب الأرض من قذارة وجوده بأية وسيلة أمكنت وأي طريق كان أقرب وأسهل وهذا هو الذي يفيده قوله تعالى:"و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون"الآية بما يكتنف به من الآيات.

فمعنى الآية: إن طلب منك بعض هؤلاء المشركين الذين رفع عنهم الأمان أن تأمنه في جوارك ليحضر عندك ويكلمك فيما تدعو إليه من الحق الذي يتضمنه كلام الله فأجره حتى يسمع كلام الله ويرتفع عنه غشاوة الجهل ثم أبلغه مأمنه حتى يملك منك أمنا تاما كاملا ، وإنما شرع الله هذا الحكم وبذل لهم هذا الأمن التام لأنهم قوم جاهلون ولا بأس على جاهل إذا رجي منه الخير بقبول الحق لو وضح له.

وهذا غاية ما يمكن مراعاته من أصول الفضيلة وحفظ الكرامة ونشر الرحمة والرأفة وشرافة الإنسانية اعتبره القرآن الكريم ، وندب إليه الدين القويم.

وقد بان بما قدمناه أولا: أن الآية مخصصة لعموم قوله في الآية السابقة:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم".

وثانيا: أن قوله:"حتى يسمع كلام الله"غاية للاستجارة والإجارة فيتغيا به الحكم ، فالاستئمان إنما كان لسمع كلام الله واستفسار ما عند الرسول من مواد الرسالة فيتقدر الأمان الذي يعطاه المستجير المستأمن بقدره فإذا سمع من كلام الله ما يتبين به الرشد من الغي ويتميز به الهدى من الضلال انتهت مدة الاستجارة وحان أن يرد المستجير إلى مأمنه والمكان الخاص به الذي هو في أمن فيه ، لا يهدده فيه سيوف المسلمين ليرجع إلى حاله الذي فارقه ، ويختار لنفسه ما يشاء على حرية من المشية والإرادة.

وثالثا: أن المراد بكلام الله مطلق آيات القرآن الكريم ، نعم يتقيد بما ينفع المستجير من الآيات التي توضح له أصول المعارف الإلهية ومعالم الدين والجواب عما يختلج في صدره من الشبهات كل ذلك بدلالة المقام والسياق.

وبذلك يظهر فساد ما قيل: إن المراد بكلام الله آيات التوحيد من القرآن ، وكذا ما قيل: إن المراد به سورة براءة أو خصوص ما بلغوه في الموسم من آيات صدر السورة فإن ذلك كله تخصيص من غير مخصص.

ورابعا: أن المراد بسمع كلام الله الوقوف على أصول الدين ومعالمه وإن أمكن أن يقال: إن لاستماع نفس كلام الله فيما إذا كان المستجير عربيا يفهم الكلام الإلهي دخلا في ذلك أما إذا كان غير عربي ولا يفهم الكلام العربي فالمستفاد من السياق أن الغاية في حقه مجرد تفقه أصول الدين ومعالمه.

وخامسا: أن الآية محكمة غير منسوخة ولا قابلة له لأن من الضروري البين من مذاق الدين ، وظواهر الكتاب والسنة أن لا مؤاخذة قبل تمام الحجة ، ولا تشديد أي تشديد كان إلا بعد البيان فالجاهل السالك في سبيل الفحص أو المستعلم للحق المستفهم للحقيقة لا يرد خائبا ولا يؤخذ غافلا فعلى الإسلام والمسلمين أن يعطوا كل الأمان لمن استأمنهم ليستحضر معارف الدين ويستعلم أصول الدعوة حتى يتبعها إن لاحت له فيها لوائح الصدق ، وهذا أصل لا يقبل بطلانا ولا تغييرا ما دام الإسلام إسلاما فالآية محكمة غير قابلة للنسخ إلى يوم القيامة.

ومن هنا يظهر فساد قول من قال: إن قوله:"و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله"الآية منسوخة بالآية الآتية:"و قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة"الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت