و سادسا: أن الآية إنما توجب إجارة المستجير إذا استجار لأمر ديني يرجى فيه خير الدين ، وأما مطلق الاستجارة لا لغرض ديني ولا نفع عائد إليه فلا دلالة لها عليه أصلا بل الآيات السابقة الآمرة بالتشديد عليهم في محلها.
وسابعا: أن قوله في تتميم الأمر بالإجارة:"ثم أبلغه مأمنه"مع تمام قوله:"فأجره حتى يسمع"بدونه في الدلالة على المقصد يدل على كمال العناية بفتح باب الهداية على وجوه الناس ، والتحفظ على حرية الناس في حياتهم وأعمالهم الحيوية ، والإغماض في طريقه عن كل حكم حتمي وعزيمة قاطعة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ، ولا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
وثامنا: أن الآية - كما قيل - تدل على أن الاعتقاد بأصل الدين يجب أن يكون عن علم يقيني لا يداخله شك ولا يمازجه ريب ولا يكفي فيه غيره ولو كان الظن الراجح ، وقد ذم الله تعالى اتباع الظن ، وندب إلى اتباع العلم في آيات كثيرة كقوله تعالى:"و لا تقف ما ليس لك به علم:"إسراء: - 36 وقوله:"إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا:"النجم: - 28 وقوله:"ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون:"الزخرف: - 20.
ولو كفى في أصل الدين الاعتقاد التقليدي لم يستقم الحكم بإجارة من استجار لتفهم أصول الدين ومعارفه لجواز أن يكلف بالتقليد والكف عن البحث عن أنه حق أو باطل هذا.
ولكن المقدار الواجب في ذلك أن يكون عن علم قطعي سواء كان حاصلا عن الاستدلال بطرق فنية أو بغير ذلك من الوجوه المفيدة للعلم ولو على سبيل الاتفاق ، وهذا غير القول بأن الاستدلال على أصول المعارف لا يصح إلا من طريق العقل فإن صحة الاستدلال أمر ، وجواز الاعتماد على العلم بأي طريق حصل أمر آخر.
قوله تعالى:"كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله"الآية ، تبيين وتوضيح لما مر إجمالا من الحكم بنقض عهد المشركين ممن لا وثوق بوفائه بعهده ، وقتلهم إلى أن يؤمنوا بالله ويخضعوا لدين التوحيد ، واستثناء من لم ينقض العهد وبقي على الميثاق حتى ينقضي مدة عهدهم.
فالآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات تبين ذلك وتوضح الحكم واستثناء ما استثني منه والغاية والمغيا جميعا.
فقوله:"كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله"استفهام في مقام الإنكار ، وقد بادرت الآية إلى استثناء الذين عاهدوهم من المشركين عند المسجد الحرام لكونهم لم ينقضوا عهدا ولم يساهلوا فيما واثقوا به بدليل قوله تعالى:"فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم"وذلك أن الاستقامة لمن استقام والسلم لمن يسالم من لوازم التقوى الديني ، ولذلك علل قوله ذلك بقوله:"إن الله يحب المتقين"كما جاء مثله بعينه في الآية السابقة:"فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين".
قوله تعالى:"كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة"إلى آخر الآية ، قال الراغب في المفردات: ، الإل كل حالة ظاهرة من عهد حلف ، وقرابة تئل: تلمع فلا يمكن إنكاره ، قال تعالى: لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، وآل الفرس: أسرع ، حقيقته لمع ، وذلك استعارة في باب الإسراع نحو برق وطار.
انتهى.
وقال أيضا: الذمام - بكسر الذال - ما يذم الرجل على إضاعته من عهد ، وكذلك الذمة والمذمة ، وقيل: لي مذمة فلا تهتكها ، وأذهب مذمتهم بشيء: أي أعطهم شيئا لما لهم من الذمام.
انتهى.
وهو ظاهر في أن الذمة مأخوذة من الذم بالمعنى الذي يقابل المدح.
ولعل إلقاء المقابلة في الآية بين الإل والذمة للدلالة على أنهم لا يحفظون في المؤمنين شيئا من المواثيق التي يجب رقوبها وحفظها سواء كانت مبنية على أصول واقعية تكوينية كالقرابة التي توجب بوجه على القريب رعاية حال قريبه ، أو على الجعل والاصطلاح كالعهود والمواثيق المعقودة بحلف ونحوه.
وقد كررت لفظة"كيف"للتأكيد ولرفع الإبهام في البيان الناشىء من تخلل قوله:"إلا الذين عاهدتم"الآية بطولها بين قوله:"كيف يكون للمشركين"الآية وقوله:"و إن يظهروا عليكم"الآية.
فمعنى الآية: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله والحال أنهم إن يظهروا عليكم ويغلبوكم على الأمر لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدا من العهود يرضونكم بالكلام المدلس والقول المزوق ، ويأبى ذلك قلوبهم ، وأكثرهم فاسقون.