فهرس الكتاب

الصفحة 1854 من 4314

و من هنا ظهر أن قوله:"يرضونكم بأفواههم"من المجاز العقلي نسب فيه الإرضاء إلى الأفواه وهو في الحقيقة منسوب إلى القول والكلام الخارج من الأفواه المكون فيها.

وقوله:"يرضونكم"الآية تعليل لإنكار وجود العهد للمشركين ولذلك جيء به بالفصل ، والتقدير: كيف يكون لهم عهد وهم يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون.

وأما قوله:"و أكثرهم فاسقون"ففيه بيان أن أكثرهم ناقضون للعهد والميثاق بالفعل من غير أن ينتظروا ظهورهم جميعا عليكم فالآية توضح حال آحادهم وجميعهم بأن أكثرهم فاسقون بنقض العهد من غير أن يرقبوا في مؤمن إلا ولا ذمة ، ولو أنهم ظهروا عليكم جميعا لم يرقبوا فيكم الإل والذمة.

قوله تعالى:"اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا"إلى آخر الآيتين ، بيان وتفسير لقوله في الآية السابقة:"و أكثرهم فاسقون"وكان قوله:"اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا"إلى آخر الآية توطئة وتمهيد لقوله في الآية الثانية:"لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة".

وبذلك يظهر أن الأقرب أن المراد بالفسق الخروج عن العهد والذمة دون الفسق بمعنى الخروج عن زي عبودية الله سبحانه وإن كان الأمر كذلك.

وقوله:"و أولئك هم المعتدون"كالتفسير لجميع ما مر من أحوالهم الروحية وأعمالهم الجسمية ، وتفيد الجملة مع ذلك جوابا عن سؤال مقدر أو ما يجري مجراه والمعنى: إذا كان هذا حالهم وهذه أفعالهم فلا تحسبوا أن لو نقضتم عهدهم اعتديتم عليهم فأولئك هم المعتدون عليكم لما أضمروه من العداوة والبغضاء ولما أظهره أكثرهم في مقام العمل من الصد عن سبيل الله ، وعدم رعاية قرابة ولا عهد في المؤمنين.

قوله تعالى:"فإن تابوا وأقاموا الصلاة"إلى آخر الآيتين ، الآيتان بيان تفصيلي لقوله فيما تقدم:"فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله".

والمراد بالتوبة بدلالة السياق الرجوع إلى الإيمان بالله وآياته ، ولذلك لم يقتصر على التوبة فقط بل عطف عليها إقامة الصلاة التي هي أظهر مظاهر عبادة الله ، وإيتاء الزكاة الذي هو أقوى أركان المجتمع الديني ، وقد أشير بهما إلى نوع الوظائف الدينية التي بإتيانها يتم الإيمان بآيات الله بعد الإيمان بالله عز اسمه فهذا معنى قوله:"تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة".

وأما قوله:"فإخوانكم في الدين"فالمراد به بيان التساوي بينهم وبين سائر المؤمنين في الحقوق التي يعتبرها الإسلام في المجتمع الإسلامي: لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

وقد عبر في الآية عن ذلك بالأخوة في الدين ، وقال في موضع آخر:"إنما المؤمنون إخوة:"الحجرات: - 10 اعتبارا بما بينهم من التساوي في الحقوق الدينية فإن الأخوين شقيقان اشتقا من مادة واحدة وهما لذلك متساويان في الشئون الراجعة إلى ذلك في مجتمع المنزل عند والدهما الذي هو رب البيت ، وفي مجتمع القرابة عند الأقرباء والعشيرة.

وإذ كان لهذا المعنى المسمى بلسان الدين أخوة أحكام وآثار شرعية اعتنى بها قانون الإسلام فهو اعتبار حقيقة لنوع من الأخوة بين أفراد المجتمع الإسلامي لها آثار مترتبة كما أن الأخوة الطبيعية فيما اعتبرها الإسلام لها آثار مترتبة عقلائية ودينية وليست تسمية ذلك أخوة مجرد استعارة لفظية عن عناية مجازية ، وفيما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : قوله:"المؤمنون إخوة يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد واحدة على من سواهم".

وقوله:"و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم"الآية يدل السياق أنهم غير المشركين الذين أمر الله سبحانه في الآية السابقة بنقض عهدهم وذكر أنهم هم المعتدون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة فإنهم ناكثون للأيمان ناقضون للعهد ، فلا يستقيم فيهم الاشتراط الذي ذكره الله سبحانه بقوله:"و إن نكثوا أيمانهم"الآية.

فهؤلاء قوم آخرون لهم مع ولي الأمر من المسلمين عهود وأيمان ينكثون أيمانهم من بعد عهدهم ، أي ينقضون عهودهم من بعد عقدها فأمر الله سبحانه بقتالهم وألغى أيمانهم وسماهم أئمة الكفر لأنهم السابقون في الكفر بآيات الله يتبعهم غيرهم ممن يليهم ، يقاتلون جميعا لعلهم ينتهون عن نكث الأيمان ونقض العهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت