قوله تعالى:"أ لا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول"الآية وما بعدها إلى تمام أربع آيات تحريض للمؤمنين وتهييج لهم على قتال المشركين ببيان ما أجرموا به في جنب الله وخانوا به الحق والحقيقة ، وعد خطاياهم وطغياناتهم من نكث الأيمان والهم بإخراج الرسول والبدء بالقتال أول مرة.
ثم بتعريف المؤمنين أن لازم إيمانهم بالله الذي يملك كل خير وشر ونفع وضر أن لا يخشوا إلا إياه إن كانوا مؤمنين به ففي ذلك تقوية لقلوبهم وتشجيعهم عليهم ، وينتهي إلى بيان أنهم ممتحنون من عند الله بإخلاص الإيمان له والقطع من المشركين حتى يؤجروا بما يؤجر به المؤمن المتحقق في إيمانه.
قوله تعالى:"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"إلى آخر الآيتين.
أعاد الأمر بالقتال لأنه صار من جهة ما تقدم من التحريض والتحضيض أوقع في القبول فإن الأمر الأول كان ابتدائيا غير مسبوق بتمهيد وتوطئة بخلاف الأمر الثاني الوارد بعد اشتداد الاستعداد وكمال التهيؤ من المأمورين.
على أن ما اتبع به الأمر من قوله:"يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم"إلى قوله:"و يذهب غيظ قلوبهم"يؤكد الأمر ويغري المأمورين على امتثاله وإجرائه على المشركين فإن تذكرهم إن قتل المشركين عذاب إلهي لهم بأيدي المؤمنين ، وإن المؤمنين أياد مجرية لله سبحانه وإن في ذلك خزيا للمشركين ونصرة من الله للمؤمنين عليهم وشفاء لصدور قوم مؤمنين وإذهابا لغيظ قلوبهم ، يجرئهم للعمل وينشطهم ويصفي إرادتهم.
وقوله:"و يتوب الله على من يشاء"الآية بمنزلة الاستثناء لئلا يجري حكم القتال على إطلاقه.
قوله تعالى:"أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم"إلى آخر الآية بمنزلة تعليل آخر لوجوب قتالهم لينتج تحريضهم على القتال وفيه بيان حقيقة الأمر ، ومحصله أن الدار دار الامتحان والابتلاء فإن نفوس الآدميين تقبل الخير والشر والسعادة والشقاوة فهي في أول كينونتها ساذجة مبهمة ، ومراتب القرب والزلفى إنما تبذل بإزاء الإيمان الخالص بالله وآياته ، ولا يظهر صفاء الإيمان إلا بالامتحان الذي يورد المؤمن مقام العمل ، ليميز الله بذلك الطيب من الخبيث ، والصافي الإيمان ممن ليس عنده إلا مجرد الدعوى أو المزعمة.
فمن الواجب أن يمتحن هؤلاء المدعون أنهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله بأن لهم الجنة ، ويبتلوا بمثل القتال الذي يميز به الصادق من الكاذب ويفصل الذي قطع روابط المحبة والصلة من أعداء الله سبحانه ممن في قلبه بقايا من ولايتهم ومودتهم حتى يحيا هؤلاء ويهلك أولئك.
فعلى المؤمنين أن يمتثلوا أمر القتال بل يتسارعوا إليه ويتسابقوا فيه ليظهروا بذلك صفاء جوهرهم وحقيقة إيمانهم ويحتجوا به على ربهم يوم لا نجاح فيه إلا بحجة الحق.
فقوله:"أم حسبتم أن تتركوا"أي بل أظننتم أن تتركوا على ما أنتم عليه من الحال ولما تظهر حقيقة صدقكم في دعوى الإيمان بالله وبآياته.
وقوله:"و لما يعلم الله"الآية أي ولما يظهر في الخارج جهادكم وعدم اتخاذكم من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة فإن تحقق الأشياء علم منه تعالى بها وقد مر نظير الكلام مع بسط ما في تفسير قوله تعالى:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم"الآية: آل عمران: - 142 في الجزء الرابع من الكتاب.
ومن الدليل على هذا الذي ذكرنا في معنى العلم قوله في ذيل الآية:"و الله خبير بما تعملون".
والوليجة على ما في مفردات الراغب ، كل ما يتخذه الإنسان معتمدا عليه وليس من أهله.