أقول: والروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المعاني فوق حد الإحصاء.
وفي الدر المنثور ، أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا أبا بكر رضي الله عنه ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال: لي أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه. ورجع أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: لا ولكن جبرئيل جاءني فقال: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. وفيه ، أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى أهل مكة ثم بعث عليا رضي الله عنه على أثره فأخذها منه فكأن أبا بكر وجد في نفسه فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا أبا بكر إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني. وفيه ، أخرج ابن مردويه عن أبي رافع رضي الله عنه قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى الموسم فأتى جبرئيل (عليه السلام) فقال: إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك فبعث عليا رضي الله عنه على أثره حتى لحقه بين مكة والمدينة فأخذها فقرأها على الناس في الموسم. وفيه ، أخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر رضي الله عنه يؤدي عنه براءة فلما أرسله بعث إلى علي رضي الله عنه فقال: يا علي لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت ، فحمله على ناقته العضباء فسار حتى لحق بأبي بكر رضي الله عنه فأخذ منه براءة. فأتى أبو بكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزلت فيه شيء فلما أتاه قال: ما لي يا رسول الله؟ قال: خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني إلا رجل مني.
أقول: وهناك روايات أخرى في معنى ما تقدم ، وقد نقل في تفسير البرهان ، عن ابن شهرآشوب أنه رواه الطبرسي ، والبلاذري ، والترمذي ، والواقدي ، والشعبي ، والسدي ، والثعلبي ، والواحدي ، والقرطبي ، والقشيري ، والسمعاني ، وأحمد بن حنبل ، وابن بطة ، ومحمد بن إسحاق ، وأبو يعلى الموصلي ، والأعمش ، وسماك بن حرب في كتبهم عن عروة بن الزبير ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي رافع ، وزيد بن نفيع ، وابن عمر ، وابن عباس ، واللفظ له: أنه لما نزل:"براءة من الله ورسوله"إلى تسع آيات أنفذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر إلى مكة لأدائها فنزل جبرئيل وقال: إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين: اركب ناقتي العضباء والحق أبا بكر وخذ براءة من يده. قال: ولما رجع أبو بكر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جزع وقال: يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق فيه فلما توجهت إليه رددتني منه؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : الأمين هبط إلي عن الله تعالى: أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك وعلي مني ولا يؤدي عني إلا علي.
وفيما نقلناه من الروايات وما تركناه منها وهو أكثر وفيما سيجيء في هذا الباب نكتتان أصليتان.
إحداهما: أن بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا ببراءة وعزله أبا بكر إنما كان بأمر من ربه بنزول جبرئيل:"أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"ولم يقيد الحكم في شيء من الروايات ببراءة أو نقض العهد فلم يرد في شيء منها: لا يؤدي براءة أو لا ينقض العهد إلا أنت أو رجل منك فلا دليل على تقييده ببراءة على ما وقع في كثير من التفاسير ويؤيد الإطلاق ما سيأتي.
وثانيتهما: أن عليا (عليه السلام) كما كان ينادي ببراءة ، كذلك كان ينادي بحكم آخر وهو أن من كان له مدة فهو إلى مدته ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر: وهذا أيضا مما يدل عليه آيات براءة.
وبحكم آخر وهو أنه لا يطوفن بالبيت عريان ، وهو أيضا حكم إلهي مدلول عليه بقوله تعالى:"يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد:"الأعراف: - 31 وقد ورد في بعض الروايات ذكر الآية مع الحكم كما سيجيء.