و الثالث: أن استفادة كونه (عليه السلام) بمنزلة نفسه (عليه السلام) ليست بمستندة إلى مجرد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"رجل مني"كما حسبه فإن مجرد قول القائل: فلان مني لا يدل على تنزيله منزلته في جميع شئون وجوده ومماثلته إياه ، وإنما يدل على نوع من الاتصال والاتباع كما في قول إبراهيم (عليه السلام) :"فمن تبعني فإنه مني:"إبراهيم: - 36 إلا بنوع من القرينة الدالة على عناية كلامية كقوله تعالى:"و من يتولهم منكم فإنه منهم".
بل إنما استفيد ذلك من قوله:"رجل مني"أو"رجل منك"بمعونة قوله:"لا يؤدي عنك إلا أنت"على البيان الذي تقدم وعلى هذا فلو كان هناك قوله:"لا يؤدي عني إلا رجل من أهلي أو رجل من أهل بيتي"لاستفيد منه عين ما استفيد من قوله:"لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"وقوله:"لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني"مضافا إلى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عده منه في خطابه أبا بكر وهو أيضا منه بالاتباع.
والرابع: أنه أهمل في البحث الروايات الصحيحة المستفيضة أو المتواترة التي تدل على أن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم: علي وفاطمة والحسنان على ما تقدم في أخبار آية المباهلة وسيجيء معظمها في أخبار آية التطهير إن شاء الله تعالى.
ولا رجل في أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا علي (عليه السلام) فيئول الأمر إلى كون اللفظ كناية عن علي (عليه السلام) فيرجع إلى ما تقدم من الوجه.
وأما ما احتمله من المعنى فهو أن المراد بأهل بيته عامة أقربائه من بني هاشم أو بنو هاشم ونساؤه فينزل اللفظ منزلة عادية من غير أن يحمل شيئا من المزية ، والمعنى لا يؤدي نبذ العهد عني إلا رجل من بني هاشم ، والقوم يرجعون غالبا في مفاهيم أمثال هذه الألفاظ إلى ما يعطيه العرف اللغوي في ذلك من غير توجه إلى ما اعتبره الشرع ، وقد تقدم نظير ذلك في معنى الابن والبنت حيث حسبوا أن كون ابن البنت ابنا للرجل وعدمه مرجعه إلى بحث لغوي يعين كون الابن يصدق بحسب الوضع اللغوي على ابن البنت مثلا أو لا يصدق عليه ، وجميع ذلك يرجع إلى الخلط بين الأبحاث اللفظية والأبحاث المعنوية ، وكذا الخلط بين الأنظار الاجتماعية والأنظار الدينية السماوية على ما تقدمت الإشارة إليه.
وأعجب من الجميع قوله: وهذا النص الصريح يبطل تأويل كلمة"مني"فإن مراده بدلالة السياق أن كلمة"من أهل بيتي"نص صريح في أن المراد برجل مني رجل من بني هاشم ، ولا ندري أي نصوصية أو صراحة لكلمة"أهل البيت"في بني هاشم بعد ما تكاثرت الروايات أن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم علي وفاطمة والحسنان (عليه السلام) ثم في قوله:"أهل بيتي"بمعنى بني هاشم أن المراد بكلمة"مني"هو ذلك!.
وفي تفسير العياشي ، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) :"فسيحوا في الأرض أربعة أشهر"قال: عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر.
أقول: وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد من الأربعة الأشهر هو ذلك ، روى ذلك الكليني والصدوق والعياشي والقمي وغيرهم في كتبهم ، وروي ذلك من طرق أهل السنة ، وهناك روايات أخرى من طرقهم في غير هذا المعنى حتى وقع في بعضها أن أبا بكر حج بالناس عام تسع في شهر ذي القعدة ، وهي غير متأيدة ولذلك أغمضنا عنها.