رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبيات أنشده إياها: يا رب إني ناشد محمدا. حلف أبينا وأبيه الأتلدا. قد كنتم ولدا وكنا والدا. ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا. فانصر هداك الله نصرا أعتدا. وادع عباد الله يأتوا مددا. فيهم رسول الله قد تجردا. إن سيم خسفا وجهه تربدا. في فيلق كالبحر يجري مزبدا. إن قريشا أخلفوك الموعدا. ونقضوا ميثاقك المؤكدا. وجعلوا لي في كداء رصدا. وزعموا أن لست أدعو أحدا. وهم أذل وأقل عددا. هم بيتونا بالوتير هجدا. وقتلونا ركعا وسجدا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : نصرت يا عمرو بن سالم فما برح حتى مرت غمامة في السماء فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب ، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس بالجهاد وكتمهم مخرجه ، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم.
أقول: أورد الرواية في الدر المنثور ، بعد ما روي بطرق عن مجاهد وعكرمة أن قصة نقض قريش عهد الحديبية وإعانتهم بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان هو السبب لنزول قوله تعالى:"أ لا تقاتلون قوما"إلى قوله:"و يشف صدور قوم مؤمنين"وهم خزاعة.
ولو كان الأمر على ما ذكروا كانت الآية:"أ لا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم"- إلى تمام ثلاث آيات بل أربع - على ما يعطيه السياق مما نزل قبل فتح مكة فتكون نازلة قبل آيات براءة لا محالة.
لكن القصة التي رواها ابن إسحاق والبيهقي على اعتبارها لمكان المسور بن مخرمة لا تصرح بنزول الآيات في ذلك ، وما رواها مجاهد وعكرمة لا اعتماد عليه لمكان الوقف والانقطاع ، وسياق الآيات لا يأبى نزولها مع ما تقدم عليها واتصالها بها على ما لا يخفى.
والذي ذكر فيها من قوله:"نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة"وإن كان يشير إلى صفات قريش الخاصة بهم لكن من الجائز أن تكون الآية مشيرة إلى حلفاء قريش وجيرانهم ممن لم يؤمنوا بعد فتح مكة وهم لاتحادهم مع قريش واتصالهم بهم وصفوا بما يوصف به قريش بالأصالة.
واعلم أن هناك روايات متفرقة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) تطبق الآيات على ظهور المهدي (عليه السلام) ، وهي من الجري.
كلام في معنى العهد وأقسامه وو هي من أحكامه
قدمنا في أوائل الجزء السادس من الكتاب كلاما في معنى العقد والعهد ونستأنف البيان هاهنا في معنى ما تقدم وما يستتبعه من الأقسام والأحكام بتقرير آخر في فصول: 1 - قد لاح لك من تضاعيف الأبحاث المتقدمة في هذا الكتاب أن الإنسان في مسير حياته لا يزال يصور أعماله وما يتعلق به أعماله من المادة تصور الأمور الكونية ويمثلها بها ويجري بينها أحكام الأمور الكونية وآثارها من القوانين العامة الجارية في الكون بحسب ما يناسب أغراضه الحيوية كما أنه يأخذ مثلا أصواتا متفرقة هي الزاي والياء والدال ، ويؤلفها بشكل مخصوص ويعمل لفظ"زيد"ثم يفترض أنه زيد الإنسان الخارجي فيسميه به ثم كلما أراد أن يحضر زيدا في ذهن مخاطبه ألقى إليه لفظ"زيد"فكان ممثلا لعين زيد عنده ، وحصل بذلك غرضه.
وإذا أراد أن يدير أمرا لا يدور إلا بعمل عدة مؤتلفة من الناس اختار جماعة وافترضهم واحدا كالإنسان الواحد ، وفرض واحدا منهم للباقين كما يفرض الرأس لبدن الإنسان ويسميه رئيسا ، وفرض كلا من الباقين كما يفرض العضو من البدن ذي الأعضاء ويسميه عضوا ثم يرتب على الرأس أحكام الرأس الخارجي ، وعلى العضو آثار العضو الخارجي وعلى هذا القياس.
وإلى هذا يئول جميع أفكار الإنسان الاجتماعية بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط من التصورات والتصديقات إذا حللت تحليلا صحيحا كما تئول إليه أنظاره الفردية فيما يرتبط بأعماله وأفعاله.
الإنسان شديد الاهتمام بعقد العقود وتمثيل العهود وما يرتبط بها من الحلف واليمين والبيعة ونحو ذلك ، والعامل الأولي في ذلك أن الإنسان لا هم له إلا التحفظ على حياته والوصول إلى مزاياها والتمتع بالسعادة التي تستعقبها لو جرت على حقيقة مجراها.