2 -العهود والمواثيق كما تمسها حياة الإنسان الذي هو فرد المجتمع كذلك تمسها حياة المجتمع فليس المجتمع إلا المجتمع من أفراد الإنسان ، حياته مجموع حياة أجزائه ، وأعماله الحيوية مجموع أعمال أجزائه وله من الخير والشر والنفع والضر والصحة والسقم والنشوء والرشد والاستقامة والانحراف والسعادة والشقاوة والبقاء والزوال مجموع ما لأجزائه من ذلك.
فالمجتمع إنسان كبير له من مقاصد الحياة ما للإنسان الصغير ، ونسبة المجتمع إلى المجتمع تقرب من نسبة الإنسان الفرد إلى الإنسان الفرد فهو يحتاج في ركوب مقاصده وإتيان أعماله من الأمن والسلامة إلى مثل ما يحتاج إليه الإنسان الفرد بل الحاجة فيه أشد وأقوى لأن العمل يعظم بعظمة فاعله وعظمة غرضه ، والمجتمع في حاجة إلى الأمن والسلام من قبل أجزائه لئلا يتلاشى ويتفرق ، وإلى الأمن والسلام من قبل رقبائه من سائر المجتمعات.
وعلى هذا جرى ديدن المجتمعات الإنسانية على ما بأيدينا من تاريخ الأمم والأقوام الماضية ، وما نسمعه أو نشاهده من الملل الحاضرة فلم يزل ولا يزال المجتمع من المجتمعات الإنسانية في حاجة قائمة إلى أن يعاهد غيره في بعض شئون حياته السياسية والاقتصادية أو الثقافية أو غيرها ، فلا يصفو الجو للإقدام على شيء من مقاصد الحياة أو التقدم في شيء من مآربها إلا بالاعتضاد بالأعضاد والأمن من معارضة الموانع.
3 -الإسلام بما أنه متعرض لأمر المجتمع كالفرد ، ويهتم بإصلاح حياة الناس العامة كاهتمامه بإصلاح حياة الفرد الخاصة قنن فيه كليات ما يرجع إلى شئون الحياة الاجتماعية كالجهاد والدفاع ومقاتلة أهل البغي والنكث والصلح والسلم والعهود والمواثيق وغير ذلك.
والعهد الذي نتكلم فيه قد اعتبره اعتبارا تاما وأحكمه إحكاما يعد نقضه من طرف أهله من أكبر الإثم إلا أن ينقضه المعاهد الآخر فيقابل بالمثل فإن الله سبحانه أمر بالوفاء بالعهود والعقود ، وذم نقض العهود والمواثيق ذما بالغا في آيات كثيرة جدا قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود:"المائدة: - 1 ، وقال:"و الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه - إلى أن قال - أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار:"الرعد: - 25 ، وقال:"و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا:"إسراء: - 34 إلى غير ذلك.
ولم يبح نقض العهود والمواثيق إلا فيما يبيحه حق العدل وهو أن ينقضه المعاهد المقابل نقضا بالبغي والعتو أو لا يؤمن نقضه لسقوطه عن درجة الاعتبار ، وهذا مما لا اعتراض فيه لمعترض ولا لوم للائم ، قال تعالى:"و إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين:"الأنفال: - 58 فأجاز نقض العهد عند خوف الخيانة ولم يرض بالنقض من غير إخبارهم به واغتيالهم وهم غافلون دون أن قال:"فانبذ إليهم على سواء"فأوجب أن يخبروهم بالنقض المتقابل احترازا من رذيلة الخيانة.
وقال:"براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر:"براءة: - 2 فلم يرض بالبراءة دون أن وسع عليهم أربعة أشهر حتى يكونوا على مهل من التفكر في أمرهم والتروي في شأنهم فيروا رأيهم على حرية من الفكر فإن شاءوا آمنوا ونجوا وإن لم يشاءوا قتلوا وفنوا ، وقد كان من حسن أثر هذا التأجيل أن آمنوا فلم يفنوا.
وقد تمم سبحانه هذه الفائدة أحسن إتمام بقوله بعد إعلام البراءة:"و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون:"التوبة: - 6.
وقال مستثنيا الموفين بعهدهم من المشركين:"كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ، كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون:"التوبة: - 8 وقد علل الاستقامة لمن استقام بأنه من التقوى - ذاك التقوى الذي لا دعوة في الدين إلا إليه - وإن الله يحب المتقين ، وهذا تعليل حي إلى يوم القيامة.