و قال تعالى:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم:"البقرة: - 194 وقال:"و لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان:"المائدة: - 2.
وأما النقض الابتدائي من غير نقض من العدو المعاهد فلا مجوز له في هذا الدين الحنيف أصلا ، وقد تقدم قوله تعالى:"فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم"الآية وقال:"و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين:"البقرة: - 190.
وعلى ذلك جرى عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيام حياته فقد عاهد بني قينقاع وبني قريظة وغيرهم من اليهود ولم ينقض إلا بعد ما نقضوا ، وعاهد قريشا في الحديبية ولم ينقض حتى نقضوا بإظهار بني بكر على خزاعة وقد كانت خزاعة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبنو بكر في عهد قريش.
وأما النقض من غير نقض فلا مبيح له في الإسلام وإن كان الوفاء مما يفوت على المسلمين بعض منافعهم ، ويجلب إليهم بعض الضرر وهم على قدرة من حفظ منافعهم بالبأس والقوة أو أمكنهم الاعتذار ببعض ما تصور لهم الحجة ظاهرا وتصرف عنهم اللوم والعذل فإن مدار الأمر على الحق ، والحق لا يستعقب شرا ولا ضرا إلا على من انحرف عنه وآوى إلى غيره.
4 -المجتمعات الإنسانية سيما الراقية المتمدنة منها غير المجتمع الديني لا هدف لاجتماعهم ولا غرض لسننهم الجارية إلا التمتع من مزايا الحياة المادية ما قدروا عليه فلا موجب لهم للتحفظ على شيء أزيد مما بأيديهم من القوانين العملية الناظمة لشتات مقاصدهم الحيوية.
ومن الضروري أن الظرف الذي هذا شأنه لا قيمة فيها للمعنويات إلا بمقدار ما يوافق المقاصد الحيوية المادية فالفضائل والرذائل المعنوية كالصدق والفتوة والمروة ونشر الرحمة والرأفة والإحسان وأمثال ذلك لا اعتبار لها إلا بمقدار ما درت بها منافع المجتمع ، ولم يتضرروا بها لو لم تعتبر ، وأما فيما ينافي منافع القوم فلا موجب للعمل بها بل الموجب لخلافها.
ولذلك ترى المؤتمرات الرسمية وأولياء الأمور في المجتمعات لا يرون لأنفسهم وظيفة إلا التحفظ على منافع المجتمع الحيوية ، وما يعقد فيها من العهود والمواثيق إنما يعقد على حسب مصلحة الوقت ، ويوزن بزنة ما عليه الدولة المعاهدة من القوة والعدة ، وما عليه المعاهد المقابل من القوة والعدة في نفسه وبما يضاف إليه من سائر المقتضيات المنضمة إليه المعينة له.
فما كان التوازن على حالة التعادل كان العهد على حاله ، وإذا مالت كفة الميزان للدولة المعاهدة على خصمه أبطلت اعتبار العهد بأعذار مصطنعة واتهامات مفتعلة للتوسل إلى نقضه ، وإنما يراد بتقديم الأعذار أن يتحفظ على ظاهر القوانين العالمية التي لا عقبى لنقضها والتخلف عنها إلا ما يهدد حياة المجتمع أو بعض منافع حياتهم ، ولو لا ذلك لم يكن ما يمنع النقض ولو من غير عذر إذا اقتضته منافع المجتمع القوى الحيوية.
وأما الكذب أو الخيانة أو التعدي لما يتخذه الغير منافع لنفسه فليس مما يمنع مجتمعا من المجتمعات من حيازة ما يراه نافعا لشأنه إذ الأخلاق والمعنويات لا أصالة لها عندهم وإنما تعتبر على حسب ما تقدره غاية المجتمع وغرضه الحيوي وهو التمتع من الحياة.
وأنت إذا تتبعت الحوادث العامة بين المجتمعات سابقها ولاحقها وخاصة الحوادث العالمية الجارية في هذا العصر الأخير عثرت على شيء كثير من العهود الموثقة ونقوضها على ما وصفناه.
وأما الإسلام فلم يعد حياة الإنسان المادية حياة له حقيقية ، ولا التمتع من مزاياها سعادة له واقعية ، وإنما يرى حياته الحقيقية حياته الجامعة بين المادة والمعنى ، وسعادته الحقيقية اللازم إحرازها ما يسعده في دنياه وأخراه.