فهرس الكتاب

الصفحة 1873 من 4314

و يستوجب ذلك أن يبنى قوانين الحياة على الفطرة والخلقة دون ما يعده الإنسان صالحا لحال نفسه ، ويؤسس دعوته الحقة على اتباع الحق والاهتداء به دون اتباع الهوى والاقتداء بما يميل إليه الأكثرية بعواطفهم وإحساساتهم الباطنة قال تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: - 30 وقال:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون:"التوبة: - 33 ، وقال:"بل أتيناهم بالحق:"المؤمنون: - 90 ، وقال:"و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن:"المؤمنون: - 71.

ومن لوازم ذلك أن يراعى حق الاعتقاد وفضيلة الخلق وصالح العمل جميعا فلا غنى للمادة عن المعنى ولا غنى للمعنى عن المادة فمن الواجب رعاية جانب الفضائل الإنسانية نفعت أو ضرت والتجنب عن الرذائل نفعت أو ضرت لأن ذلك من اتباع الحق ، وحاشا أن يضر إلا من انحرف عن ميزانه وتخطى ما يخط له الحق.

ومن هنا ما نرى أن الله سبحانه ينقض عهد المشركين لنقضهم عهده ويستعمل الرحمة بإمهالهم أربعة أشهر ، ويأمر بالاستقامة لمن استقام في عهده من المشركين وقد استذلهم الحوادث يومئذ وضعفوا دون شوكة الإسلام ، وكذا يأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إن خاف من قوم خيانة أن ينقض عهدهم لكن يأمره بإعلامهم ذلك ويعلله بأنه لا يحب الخيانة.

كلام في نسبة الأعمال إلى الأسباب طولا

تقدم في مواضع من هذا الكتاب أن الذي تنتجه الأبحاث العقلية أن الحوادث كما أن لها نسبة إلى أسبابها القريبة المتصلة بها كذلك لها نسبة إلى أسبابها القصوى التي هي أسباب لهذه الأسباب فالحوادث أفعال لها في عين أنها من أفعال أسبابها القريبة المباشرة للعمل فإن الفعل كالحركة مثلا يتوقف على فاعله المحرك ويتوقف على محرك محركه بعين ما يتوقف على محركه ، نظير العجلة المحركة للأخرى المحركة لثالثة وليست من الحركة بالعرض.

فللفعل نسبة إلى فاعله ، وله انتساب إلى فاعل فاعله بعين هذه النسبة التي إلى فاعله لا بنسبة أخرى منفصلة عنها مستقلة بنفسها غير أنه إذا انتسب إلى فاعل الفاعل عاد الفاعل القريب بمنزلة الإله بالنسبة إلى فاعل الفاعل أي واسطة محضة لا استقلال لها في العمل بمعنى أنه لا يستغني في تأثيره عن فاعل الفاعل إذ فرض عدمه يساوق انعدام الفاعل وانعدام أثره.

وليس من شرط الواسطة أن تكون غير ذات شعور بفعلها أو غير مختارة فإن الشعور الذي يؤثر به الفاعل الشاعر في فعله لم يوجده هو لنفسه وإنما أوجده فيه فاعله الذي أوجد الفاعل وشعوره ، وكذلك الاختيار لم يوجده الفاعل المختار لنفسه وإنما أوجده الفاعل الذي أوجد الفاعل المختار ، وكما يتوقف الفعل في غير موارد الشعور والاختيار إلى فاعله ، ويتوقف بعين هذا التوقف إلى فاعل فاعله ، كذلك يتوقف الفعل الشعوري والفعل الاختياري إلى فاعله ويتوقف بعين هذا التوقف إلى فاعل فاعله الذي أوجد لفاعله الشعور والاختيار.

ففاعل الفاعل الشاعر أو المختار أراد من الفاعل الشاعر أو المختار أن يفعل من طريق شعوره فعلا كذا أو يفعل باختياره فعلا اختياريا كذا فقد أريد الفعل من طريق الاختيار لأنه أريد الفعل وأهمل الاختيار الذي ظهر به فاعله فافهم ذلك فلا تزل قدم بعد ثبوتها.

وعلى هذه الحقيقة يجري الناس بحسب فهمهم الغريزي فينسبون الفعل إلى السبب البعيد كما ينسبونه إلى السبب القريب المباشر بما أنه أثر مترشح منه يقال: بنى فلان دارا ، وحفر بئرا وإنما باشر ذلك البناء والحفار ، ويقال: جلد الأمير فلانا ، وقتل فلانا ، وأسر فلانا ، وحارب قوما كذا ، وإنما باشر الجلد جلاده ، والقتل سيافه ، والأسر جلاوزته ، والمحاربة جنده ، ويقال ، أحرق فلان ثوب فلان ، وإنما أحرقه النار ، وشفى فلان مريضا كذا وإنما شفاه الدواء الذي ناوله وأمره بشربه واستعماله.

ففي جميع ذلك يعتبر أمر الآمر أو توسل المتوسل تأثيرا منه في الفاعل القريب ثم ينسب الفعل المنسوب إلى الفاعل القريب إلى الفاعل البعيد ، وليس أصل النسبة إلا نسبة حقيقة من غير مجاز قطعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت