و من قال من علماء الأدب وغيرهم إن ذلك كله من المجاز في الكلمة لصحة سلب الفعل عن الفاعل البعيد فإن مالك البناء لم يضع لبنة على لبنة وإنما هو شأن البناء الذي باشر العمل! إنما أراد الفعل بخصوصية صدوره عن الفعل المباشر ومن المسلم أن المباشرة إنما هو شأن الفاعل القريب ، ولا كلام لنا فيه ، وإنما الكلام فيما يتصور له من الوجود المتوقف إلى فاعل موجد ، وهذا المعنى كما يقوم بالفاعل المباشر كذلك يقوم بعين هذا القيام بفاعل الفاعل.
واعتبار هذه النكتة هو الذي أوجب لهم أن يميزوا بين الأعمال وينسبوا بعضها إلى الفاعل القريب والبعيد معا ، ولا ينسبوا بعضها إلا إلى الفاعل القريب المباشر للعمل فما كان منها يكشف بمفهومه عن خصوصيات المباشرة والاتصال بالعمل كالأكل بمعنى الالتقام والبلع والشرب بمعنى المص والتجرع والقعود بمعنى الجلوس ونحو ذلك لم ينسب إلا إلى الفاعل المباشر فإذا أمر السيد خادمه أن يأكل غذاء كذا ويشرب شرابا كذا ويقعد على كرسي كذا ، قيل: أكل الخادم وشرب وقعد ولا يقال: أكله سيده وشربه وقعد عليه ، وإنما يقال: تصرف في كذا إذا استعمل كذا أو أنفق كذا ونحو ذلك لما ذكرناه.
وأما الأعمال التي لا تعتبر فيها خصوصيات المباشرة والحركات المادية التي تقوم بالفاعل المباشر للحركة كالقتل والأسر والإحياء والإماتة والإعطاء والإحسان والإكرام ونظائر ذلك فإنها تنسب إلى الفاعل القريب والبعيد على السوية بل ربما كانت نسبتها إلى الفاعل البعيد أقوى منها إلى الفاعل القريب كما إذا كان الفاعل البعيد أقوى وجودا وأشد سلطة وإحاطة.
فهذا ما ينتجه البحث العقلي ويجري عليه الإنسان بفهمه الغريزي ، والقرآن الكريم يصدق ذلك أوضح تصديق كقوله تعالى في الآيات السابقة:"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم"الآيتان.
حيث نسب التعذيب الذي تباشره أيدي المؤمنين إلى نفسه بجعل أيديهم بمنزلة الآلة.
ونظيره قوله تعالى:"و الله خلقكم وما تعملون:"الصافات: - 96 فإن المراد بما تعملون إما الأصنام التي كانوا يعملونها من الحجارة أو الأخشاب أو الفلزات فإنما أريد به المادة بما عليها من عمل الإنسان ففيه نسبة الخلق إلى الأعمال كنسبته إلى فواعلها ، وأما نفس الأعمال فالأمر أوضح.
ويقرب من ذلك قوله تعالى:"و جعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون:"الزخرف - 12 ، ففيه نسبة الخلق إلى الفلك والفلك بما هي من عمل الإنسان.
هذا فيما نسب فيه الخلق إلى الأعمال الصادرة عن الشعور والإرادة ، وأما الأفعال التي لا تتوقف في صدورها على شعور وإرادة كالأفعال الطبيعية فقد ورد نسبتها إلى الله سبحانه في آيات كثيرة جدا لا حاجة إلى إحصائها كإحياء الأرض وإنبات النبات وإخراج الحب وإمطار السماء وإجراء الأنهار وتسيير الفلك التي تجري في البحر بأمره إلى غير ذلك.
ولا منافاة في جميع هذه الموارد بين انتساب الأمر إليه تعالى وانتسابه إلى غيره من الأسباب والعلل الطبيعية وغيرها إذ ليست النسبة عرضية تزاحم إحدى النسبتين الأخرى بل هي طولية لا محذور في تعلقها بأزيد من طرف واحد.
وقد تقدم في مطاوي أبحاثنا السابقة دفع ما اشتبه على الماديين من إسناد الحوادث العامة كالسيول والزلازل والجدب والوباء والطاعون إلى الله سبحانه مع الحصول على أسبابها الطبيعية اليوم حيث خلطوا بين العلل والأسباب العرضية والطولية ، وحسبوا أن استنادها إلى عللها الطبيعية يبطل ما أثبته الكتاب العزيز وأذعن به الإلهيون من استنادها إلى مسبب الأسباب الذي إليه يرجع الأمر كله.
وللأشاعرة والمعتزلة بحث غريب في الآية السابقة:"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"وما يناظرها من الآيات ، أورده الرازي في تفسيره نورده ملخصا.
قال: استدلت الأشاعرة بقوله تعالى:"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله ، وأن الناس مجبرون في أفعالهم غير مختارين فإن الله سبحانه يخبر فيها أنه هو الذي يعذب المشركين بقتل بعضهم وجرح آخرين بأيدي المؤمنين ويدل ذلك على أن أيدي المؤمنين كسيوفهم ورماحهم آلات محضة لا تأثير لها أصلا وإنما الفعل لله سبحانه ، وأن الكسب الذي يعد مناطا للتكليف اسم لا مسمى له.