و هذه الآية أقوى دلالة على المطلوب من دلالة مثل قوله تعالى:"و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"إذ فيه إثبات الرمي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - وإن كان مع ذلك نفي عنه - وإثبات لإسناده إلى الله سبحانه لكن الآية أعني قوله:"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"إثبات للتعذيب على الله سبحانه وجعل أيدي المؤمنين التي لهم آلات في الفعل لا تأثير لها وفيها أصلا.
وأجاب عنه الجبائي من المعتزلة: بأنه لو جاز أن يقال: إن الله يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين بحقيقة ما ادعي له من المعنى لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين ، وأنه تعالى يكذب أنبياءه بألسنتهم ، ويلعن المؤمنين ويسبهم بأفواههم لأنه تعالى خالق لذلك كله ، وإذ لم يجز ذلك علمنا أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد ، وإنما أعمالهم خلق أنفسهم.
وبذلك يعلم أن إسناد التعذيب في الآية إليه تعالى بنوع من التوسع لأنه إنما تحقق عن أمره ولطفه كما أنه تعالى ينسب جميع الطاعات والحسنات إلى نفسه لتحققها عن أمره وتوفيقه.
وأجاب عنه الرازي بأن أصحابنا يلتزمون جميع ما ألزم به الجبائي وأصحابه من لزوم إسناد القبائح إليه تعالى ويعتقدون به لبا وإن كانوا لا ينطقون به لسانا أدبا مع الله سبحانه ، انتهى ملخصا.
والأبحاث التي قدمناها في هذا الكتاب حول هذه المعاني تكفي لإيضاح الحق وإنارته في هذا المقام ، والكشف عما وقع فيه الفريقان جميعا.
أما ما ذكرته الأشاعرة والتزموا به فإنما أوقعهم في ذلك ما ذهبوا إليه من نفي رابطة العلية والمعلولية من بين الأشياء وقصرها فيما بينه تعالى وبين خلقه عامة فلا سبب في الوجود لا استقلالا ولا بالوساطة غيره تعالى ، وأما رابطة السببية التي بين الأشياء أنفسها فإنما هي سببية بالاسم فقط لا بالحقيقة ، وإنما هي العادة الإلهية جرت بإيجاد ما نسميها مسببات عقيب ما نسميها أسبابا فما بينها وبينه تعالى سببية حقيقية ، وما بينها أنفسها يعود إلى الاتفاق الدائم أو الأكثري.
ولازم ذلك إبطال العلية والسببية من أصلها ، وببطلانها يبطل ما أثبتوه من انحصار السببية فيه تعالى إذ لو جاز أن يكون نسبة كل شيء إلى كل شيء نسبة واحدة من غير اختلاف بالتأثير والتأثر لم يبق للإنسان ما يتنبه به لأصل معنى السببية فلا سبيل له إلى إثبات سببيته تعالى لكل شيء.
على أن الإنسان يترقب حوادث من حوادث أخرى ، ويقطع بالنتائج عن مقدماتها ويبني حياته على التعليم والتربية ، وعلى تقديم الأسباب طمعا في مسبباتها سواء اعترف بالصانع أو لم يعترف ، ولا يتم له شيء من ذلك إلا عن إذعان فطري بأصل العلية والمعلولية ، ولو أجازت الفطرة الإنسانية بطلان ذلك وجريان الحوادث على مجرد الاتفاق اختل نظام حياته ببطلان سعيه الفكري والعملي ، وانسد طريق إثبات سبب ما فوق طبيعة الحوادث.
على أن الكتاب العزيز يجري في بياناته على تصديق أصل العلية والمعلولية ، وينسب كل حسنة إليه تعالى وينفي استناد السيئات والمعاصي إليه ويسميه بكل اسم أحسن ويصفه بكل وصف جميل ، وينفي عنه كل هزل وعبث ولغو ولهو وجزاف ، ولا يتم شيء من ذلك إلا على أصل العلية والمعلولية ، وقد تقدم في الأبحاث السابقة ما يتبين به ذلك كله.
وقد ذهب طائفة من الماديين وخاصة أصحاب المادية المتحولة إلى عين ما ذهب إليه الأشاعرة من ثبوت الجبر ونفي الاختيار عن الأفعال الإنسانية ، وإنما الفارق بين قولي الطائفتين هو أن الأشاعرة بنوا ذلك على سببية الواجب تعالى المنحصرة واستنتجوا من ذلك بطلان السببية الاختيارية وانتفاءها عن الإنسان ، والماديون بنوه على معلولية الأفعال الإنسانية لمجموع الحوادث المحتفة بالفعل التي هي علة حدوثه ، ولا معنى للعلية إلا بالإيجاب ، فالإنسان موجب في فعله مجبر عليه.
وقد فات منهم أن الذي نسبة المعلول إليه بالإيجاب إنما هو العلة التامة ، وهي مجموع الحوادث المتقدمة على المعلول التي لا يتوقف هو في وجوده على شيء وراءها ، وبوجودها جميعا لا يبقى له إلا أن يوجد ، وأما بعض أجزاء العلة التامة فإنما نسبة المعلول إليه بالإمكان لا بالوجوب لتوقف وجوده على أشياء أخر وراءه فلا يتحقق بوجود الجزء المفروض جميع ما يتوقف عليه وجوده حتى يعود واجبا وجوده.