فهرس الكتاب

الصفحة 1876 من 4314

و الأفعال الإنسانية يتوقف في وجودها على الإنسان وإرادته وعلى أمور غير محصورة أخرى من المادة والشرائط الزمانية والمكانية فهي إذا نسب إليها جميعا كانت النسبة الحاصلة نسبة الوجوب والضرورة ، وأما إذا نسبت إلى الإنسان وحده أو إلى الإنسان المريد فقد نسبت إلى جزء العلة التامة وعادت النسبة إلى الإمكان دون الوجوب ، فالأفعال الإرادية الإنسانية اختيارية أي أنه يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل فإن فعل فبمشيته وإرادته ، وإن لم يفعل فلم يختره ولم يرده وإنما اختار وأراد شيئا آخر ، لكنها لا تقع في الخارج إلا واجبة لاستنادها حينئذ إلى جميع أجزاء عللها.

فهؤلاء خلطوا في كلامهم بين النسبتين فوضعوا النسبة الوجوبية التي للفعل إلى مجموع أجزاء علتها التامة موضع النسبة الإمكانية التي للفعل إلى بعض أجزاء علته التامة وهي التي تسمى في الإنسان بالاختيار على نحو من العناية.

وأما ما ذكره المعتزلة أنه لو جاز كونه تعالى هو الفاعل للفعل الذي أتى به المؤمنون وهو التعذيب ، وليس لهم إلا مقام الآلية المحضة من غير تأثير لجاز إسناد تعذيب الكفار للمؤمنين وتكذيبهم للأنبياء ولعنهم المؤمنين أيضا إليه ، وهو باطل قطعا فأفعال العباد مخلوقة لهم لا صنع لله تعالى فيها.

ففيه أن الملازمة حقة لكن بطلان التالي لا يستلزم كون الأفعال مخلوقة لهم لا نسبة لها إلى الله سبحانه أصلا لجواز كونها منسوبة إليه تعالى بعين ما ينتسب به إليهم فإنهم فاعلون لها وهو فاعل الفاعلين فينتسب إليهم بالصدور عن الفاعل المباشر ، وينتسب إليه بالصدور عن الفاعل الذي هو فاعله والنسبتان في الحقيقة نسبة واحدة مختلفة بالقرب والبعد وانتفاء الواسطة وثبوتها ، ولا يستلزم ذلك اجتماع فاعلين مستقلين على فعل واحد لكونهما طوليين لا عرضيين.

فإن قلت: فيبقى محذور استناد الحسنات والسيئات والإيمان والكفر إليه تعالى في محله.

قلت: كلا وإنما ينتسب إليه أصل وجودها ، وأما عنوان الفعل الذي يشير إلى جهة قيام الحركة والسكون بالموضوع المتحرك كالنكاح والزنا والأكل المحرم والمحلل فإنما ينسب إلى الإنسان لكونه هو الموضوع المادي الذي يتحرك بهذه الحركات: وأما الذي يوجد هذا المتحرك الذي من جملة آثاره حركته وليس بنفسه متحركا بها وإنما يوجدها إيجادا إذا تمت شرائطها وأسبابها فلا يتصف بأنواع هذه الحركات حتى يتصف بفعل النكاح أو الزنا أو أي فعل قائم بالإنسان.

نعم هناك عناوين عامة لا تستتبع معنى الحركة والمادة ، لا مانع من إسنادها إلى الإنسان وإليه سبحانه إذا لم يستلزم محذورا كالهداية والإضلال إذا لم يكن إضلالا ابتدائيا ، وكالتعذيب والابتلاء ، فقتل المؤمن للكافر تعذيب إلهي للكافر ، وقتل الكافر للمؤمن بلاء حسن للمؤمن يستوجب به أجرا حسنا عند الله ، وعلى هذا القياس.

على أن الذي ذهب إليه المعتزلة يوقعهم فيما وقعت فيه الأشاعرة وهو انسداد طريق إثبات الصانع عليهم فإنه لو جاز أن يوجد في العالم حادث من الحوادث عن سبب له وينقطع عما وراء سببه ذلك انقطاعا تاما لا تأثير له فيه جاز في كل ما فرض من الحوادث أن يستند إلى ما يليه من غير أن يرتبط بشيء آخر وراءه ، ومن الجائز أن يفنى الفاعل ويبقى أثره فمن الجائز أن يستند كل ما فرض معلولا إلى فاعل له غير واجب الوجود ومن الجائز أن يستند كل عالم مفروض إلى عالم قبله هو فاعله وقد فنى قبله على ما هو المشهود من حوادث هذا العالم المولد بعضها بعضا: والمتولد بعضها من بعض ، ولا يلزم محذور التسلسل لعدم تحقق سلسلة ذات أجزاء في وقت من الأوقات إلا في الذهن.

وفي كلامهم مفاسد كثيرة أخرى مبينة في المحل المربوط به ، وقد تقدم في الكلام على نسبة الخلق إليه تعالى في الجزء السابع من الكتاب ما ينفع في هذا المقام.

وكيف يسع لمسلم موحد أن يثبت مع الله سبحانه خالقا آخر بحقيقة معنى الخلق والإيجاد وقد قال الله سبحانه:"ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو": المؤمن: - 62 وقد كرر ذلك في كلامه ، وليس في تجاهه إلا نسبة أفعال الإنسان إليه من غير قطع رابطتها إليه تعالى بل مع إثبات النسبة بدليل آيات القدر ودلالة العقل على أن لفعل الفاعل نسبة إلى فاعل فاعله بحسب ما يليق بساحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت