فهرس الكتاب

الصفحة 1879 من 4314

و قوله:"شاهدين على أنفسهم بالكفر"المراد بالشهادة أداؤها وهو الاعتراف إما قولا كمن يعترف بالكفر لفظا ، وإما فعلا كمن يعبد الأصنام ويتظاهر بكفره فكل ذلك من الشهادة والملاك واحد.

فمعنى الآية: لا يحق ولا يجوز للمشركين أن يرموا ما استرم من المسجد الحرام كسائر مساجد الله والحال أنهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم.

قوله تعالى:"أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون"في مقام التعليل لما أفيد من الحكم في قوله:"ما كان"إلخ ولذلك جيء به بالفصل دون الوصل.

والمراد بالجملة الأولى بيان بطلان الأثر وارتفاعه عن أعمالهم ، والعمل إنما يؤتى به للتوسل به إلى أثر مطلوب ، وإذ كانت أعمالهم حابطة لا أثر لها لم يكن ما يجوز لهم الإتيان بها ، والأعمال العبادية كعمارة مساجد الله إنما تقصد لما يطمع فيه ويرجى من أثرها وهو السعادة والجنة ، والعمل الحابط لا يتعقب سعادة ولا جنة البتة.

والمراد بالجملة الثانية بيان ظرفهم الذي يستقرون فيه لو لا السعادة والجنة وهو النار فكأنه قيل: أولئك لا يهديهم أعمالهم العبادية إلى الجنة بل هم في النار الخالدة ، ولا تفيد لهم سعادة بل هم في الشقاوة المؤبدة.

وفي الآية دلالة على أصلين لطيفين من أصول التشريع: أحدهما: أن تشريع الجواز بالمعنى الأعم الشامل للواجبات والمستحبات والمباحات يتوقف على أثر في الفعل ينتفع به فاعله فلا لغو مشروعا في الدين ، وهذا أصل يؤيده العقل ، وهو منطبق على الناموس الجاري في الكون: أن لا فعل إلا لنفع عائد إلى فاعله.

وثانيهما: أن الجواز في جميع موارده مسبوق بحق مجعول من الله لفاعله في أن يأتي بالفعل من غير مانع.

قوله تعالى:"إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر"الآية السياق كاشف عن أن الحصر من قبيل قصر الإفراد كان متوهما يتوهم أن للمشركين والمؤمنين جميعا أن يعمروا مساجد الله فأفرد وقصر ذلك في المؤمنين ، ولازم ذلك أن يكون المراد بقوله:"يعمر"إنشاء الحق والجواز في صورة الإخبار دون الإخبار ، وهو ظاهر.

وقد اشترط سبحانه في ثبوت حق العمارة وجوازها أن يتصف العامر بالإيمان بالله واليوم الآخر قبال ما نفى عن المشركين أن يكون لهم ذلك ولم يقنع بالإيمان بالله وحده لأن المشركين يذعنون به تعالى بل شفع ذلك بالإيمان باليوم الآخر لأن المشركين ما كانوا مؤمنين به ، وبذلك يختص حق العمارة وجوازها بأهل الدين السماوي من المؤمنين.

ولم يقنع بذلك أيضا بل ألحق به قوله:"و أقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله"لأن المقام مقام بيان من ينتفع بعمله فيحق له بذلك أن يقترفه ، ومن كان تاركا للفروع المشروعة في الدين وخاصة الركنين: الصلاة والزكاة فهو كافر بآيات الله لا ينفعه مجرد الإيمان بالله واليوم الآخر وإن كان مسلما ، إذا لم ينكرها بلسانه ، ولو أنكرها بلسانه أيضا كان كافرا غير مسلم.

وقد خص من بينها الصلاة والزكاة بالذكر لكونهما الركنين الذين لا غنى عنهما في حال من الأحوال.

وبما ذكرنا من اقتضاء المقام يظهر أن المراد بقوله:"و لم يخش إلا الله"الخشية الدينية وهي العبادة دون الخشية الغريزية التي لا يسلم منها إلا المقربون من أولياء الله كالأنبياء قال تعالى:"الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله:"الأحزاب: - 39.

والوجه في التكنية عن العبادة بالخشية أن الأعرف عند الإنسان من علل اتخاذ الإله للعبادة الخوف من سخطه أو الرجاء لرحمته ورجاء الرحمة ، أيضا يعود بوجه إلى الخوف من انقطاعها وهو السخط فمن عبد الله سبحانه أو عبد شيئا من الأصنام فقد دعاه إلى ذلك أما الخوف من شمول سخطه أو الخوف من انقطاع نعمته ورحمته فالعبادة ممثلة للخوف والخشية مصداق لها لتمثيلها إياها ، وبينهما حالة الاستلزام ، ولذلك كني بها عنها ، فالمعنى - والله أعلم - ولم يعبد أحدا من دون الله من الآلهة.

وقوله:"فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين"أي أولئك الذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يعبدوا أحدا غير الله سبحانه يرجى في حقهم أن يكونوا من المهتدين ، وهذا الرجاء قائم بأنفسهم أو بأنفس المخاطبين بالآية ، وأما هو تعالى فمن المستحيل أن يقوم به الرجاء الذي لا يتم إلا مع الجهل بتحقق الأمر المرجو الحصول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت