فهرس الكتاب

الصفحة 1880 من 4314

و إنما أخذ الاهتداء مرجو الحصول لا محقق الوقوع مع أن من آمن بالله واليوم الآخر حقيقة وحققه أعماله العبادية فقد اهتدى حقيقة لأن حصول الاهتداء مرة أو مرات لا يستوجب كون العامل من المهتدين ، واستقرار صفة الاهتداء ولزومها له ، فالتلبس بالفعل الواقع مرة أو مرات غير التلبس بالصفة اللازمة فأولئك حصول الاهتداء لهم محقق ، وأما حصول صفة المهتدين فهو مرجو التحقق لا محقق.

وقد تحصل من الآية أن عمارة المساجد لا تحق ولا تجوز لغير المسلم أما المشركون فلعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر ، وأما أهل الكتاب فلأن القرآن لا يعد إيمانهم بالله إيمانا قال تعالى:"إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا:"النساء: - 151 ، وقال أيضا في آية 29 من السورة:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب"الآية.

قوله تعالى:"أ جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله"الآية ، السقاية كالحكاية والجناية والنكاية مصدر يقال: سقى يسقي سقاية.

والسقاية أيضا الموضع الذي يسقى فيه الماء ، والإناء الذي يسقى به قال تعالى:"جعل السقاية في رحل أخيه:"يوسف: - 70 ، وقد رووا في الآثار أن سقاية الحاج كانت إحدى الشئونات الفاخرة والمآثر التي يباهى بها في الجاهلية ، وأن السقاية كانت حياضا من آدم على عهد قصي بن كلاب أحد أجداد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توضع بفناء الكعبة ، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل ، ويسقي الحاج فجعل قصي أمر السقاية عند وفاته لابنه عبد مناف ولم يزل في ولده حتى ورثه العباس بن عبد المطلب.

وسقاية العباس هو الموضع الذي كان يسقى فيه الماء في الجاهلية والإسلام وهو في جهة الجنوب من زمزم بينهما أربعون ذراعا ، وقد بني عليه بناء هو المعروف اليوم بسقاية العباس.

والمراد بالسقاية في الآية - على أي حال - معناها المصدري وهو السقي ، ويؤيده مقابلتها في الآية عمارة المسجد الحرام والمراد بها المعنى المصدري قطعا بمعنى الشغل.

وقد قوبل في الآية سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ، ولا معنى لدعوى المساواة بين الإنسان وبين عمل من الأعمال كالسقاية والعمارة أو نفيها فالمعادلة والمساواة إما بين عمل وعمل أو بين إنسان ذي عمل وإنسان ذي عمل.

ولذلك اضطر المفسرون إلى القول بأن تقدير الكلام: أ جعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر حتى يستقيم السياق.

وأوجب منه النظر في قيود الكلام المأخوذة في الآية الكريمة فقد أخذ في أحد الجانبين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحدهما من غير أي قيد زائد ، وفي الجانب الآخر الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله وإن شئت فقل: الجهاد في سبيل الله مع اعتبار الإيمان معه.

وهو يدل على أن المراد: السقاية والعمارة خاليتين من الإيمان ، ويؤيده قوله تعالى في ذيل الآية:"و الله لا يهدي القوم الظالمين"على تقدير كونه تعريضا لأهل السقاية والعمارة لا تعريضا لمن يسوى بينهما كما يتبادر من السياق.

وهذا يكشف أولا عن أن هؤلاء الذين كانوا يسوون بين كذا وكذا وبين كذا إنما كانوا يسوون بين عمل جاهلي خال عن الإيمان بالله واليوم الآخر كالسقاية والعمارة من غير أن يكون عن إيمان ، وبين عمل ديني عن إيمان بالله واليوم الآخر كالجهاد في سبيل الله عن إيمان ، أي كانوا يسوون بين جسد عمل لا حياة فيه وبين عمل حي طيب نفعه فأنكره الله عليهم.

وثانيا: أن هؤلاء المسوين كانوا من المؤمنين يسوون بين عمل من غير إيمان ، كان صدر عنهم قبل الإيمان أو صدر عن مشرك غيرهم ، وبين عمل صدر عن مؤمن بالله عن محض الإيمان حال إيمانه كما يشهد به سياق الإنكار وبيان الدرجات في الآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت