بل يشعر بل يدل ذكر نفس السقاية والعمارة من غير ذكر صاحبهما على أن صاحبيهما كانا من أهل الإيمان عند التسوية فلم يذكرا حفظا لكرامتهما وهما مؤمنان حين الخطاب ووقاية لهما بالنظر إلى التعريض الظاهر الذي في آخر الآية من أن يسميا ظالمين.
بل يدل قوله تعالى في الآية التالية في مقام بيان أجر هؤلاء المجاهدين في سبيل الله عن إيمان:"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله"على أن طرفي التسوية في قوله:"أ جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن"الآية كانا من أهل مكة ، وأن أهل أحد الطرفين وهو الذي آمن وجاهد كان ممن أسلم وهاجر ، وأهل الطرف الآخر أسلم ولم يهاجر فإن هذا هو الوجه في ذكره تعالى أولا الإيمان والجهاد في أحد الطرفين ثم إضافة الهجرة إلى ذلك عند ما أعيد ثانيا ، وقد ذكر تعالى السقاية والعمارة في الجانب الآخر ولم يزد على ذلك شيئا لا أولا ولا ثانيا فما هذه القيود بلاغية في قوله الفصل.
وهذا كله يؤيد ما ورد في سبب نزول الآية أن الآيات نزلت في العباس وشيبة وعلي (عليه السلام) حين تفاخروا فذكر العباس سقاية الحاج ، وشيبة عمارة المسجد الحرام ، وعلى الإيمان والجهاد في سبيل الله فنزلت الآيات وستجيء الرواية في البحث الروائي المتعلق بالآيات.
وكيف كان فالآية وما يتلوها من الآيات تبين أن الزنة والقيمة إنما هو للعمل إذا كان حيا بولوج روح الإيمان فيه وأما الجسد الخالي الذي لا روح فيه ولا حياة له فلا وزن له في ميزان الدين ولا قيمة له في سوق الحقائق فليس للمؤمنين أن يعتبروا مجرد هياكل الأعمال ، ويجعلوها ملاكات للفضل وأسبابا للقرب منه تعالى إلا بعد اعتبار حياتها بالإيمان والخلوص.
ومن هذه الجهة ترتبط الآية:"أ جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام"وما بعدها من الآيات بالآيتين اللتين قبلها:"ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر"إلى آخر الآيتين.
وبذلك كله يظهر أولا أن قوله:"و الله لا يهدي القوم الظالمين"جملة حالية تبين وجه الإنكار لحكمهم بالمساواة في قوله:"أ جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن"الآية.
وثانيا: أن المراد بالظلم هو ما كانوا عليه من الشرك في حال السقاية والعمارة لا حكمهم بالمساواة بين السقاية والعمارة وبين الجهاد عن إيمان.
وثالثا: أن المراد نفي أن ينفعهم العمل ويهديهم إلى السعادة التي هي عظم الدرجة والفوز والرحمة والرضوان والجنة الخالدة.
قوله تعالى:"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم"إلى آخر الآية بيان لحق الحكم الذي عند الله في المسألة بعد إنكار المساواة ، وهو أن الذي آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله ما استطاع ببذل ما عنده من مال ونفس ، أعظم درجة عند الله وإنما عبر في صورة الجمع - الذين آمنوا إلخ - إشارة إلى أن ملاك الفصل هو الوصف دون الشخص.
وما تقدم من دلالة الكلام على أن الأعمال من غير إيمان بالله لا فضل لها ولا درجة لصاحبها عند الله ، قرينة على أن ليس المراد بالقياس الذي يدل عليه أفعل التفضيل في قوله:"أعظم درجة"إلخ هو أن بين الفريقين اشتراكا في الدرجات غير أن درجة من جاهد عن إيمان أعظم ممن سقى وعمر.
بل المراد بيان أن النسبة بينهما نسبة الأفضل إلى من لا فضل له كالمقايسة المأخوذة بين الأكثر والأقل فإنها تستدعي وجود حد متوسط بينهما يقاسان إليه فهناك ثلاثة أمور أمر متوسط يؤخذ مقياسا معدلا وآخر يكون أكثر منه ، وآخر يكون أقل منه فإذا قيس الأكثر من الأقل كان الأكثر مقيسا إلى ما لا كثرة فيه أصلا.
فقوله:"أعظم درجة عند الله"أي بالقياس إلى هؤلاء الذين لا درجة لهم أصلا ، وهذا نوع من الكناية عن أن لا نسبة حقيقة بين الفريقين لأن أحدهما ذو قدم رفيع فيما لا قدم للآخر فيه أصلا.
ويدل على ذلك أيضا قوله:"و أولئك هم الفائزون"بما يدل على انحصار الفوز فيهم وثبوتها لهم على نهج الاستقرار.
قوله تعالى:"يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات"إلى آخر الآيتين ظاهر السياق أن ما يعده من الفضل في حقهم بيان وتفصيل لما ذكر في الآية السابقة من فوزهم جيء به بلسان التبشير.