فهرس الكتاب

الصفحة 1882 من 4314

فالمعنى"يبشرهم"أي هؤلاء المؤمنين"ربهم برحمة منه"عظيمة لا يقدر قدرها"و رضوان"كذلك"و جنات لهم فيها"في تلك الجنات"نعيم مقيم"لا يزول ولا ينفد حالكونهم"خالدين فيها أبدا"لا ينقطع خلودهم بأجل ولا أمد.

ثم لما كان المقام مقام التعجب والاستبعاد لكونها بشارة بأمر عظيم لم يعهد في ما نشاهده من أنواع النعيم الذي في الدنيا ، رفع الاستبعاد بقوله:"إن الله عنده أجر عظيم".

وسيوافيك الكلام في توضيح معنى رحمته تعالى ورضوانه فيما سيمر من موضع مناسب وقد تقدم بعض الكلام فيهما.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء"إلى آخر الآية نهى عن تولي الكفار ولو كانوا آباء وإخوانا فإن الملاك عام ، والآية التالية تنهى عن تولي الجميع غير أن ظاهر لفظ الآية النهي عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن استحبوا الكفر ورجحوه على الإيمان.

وإنما ذكر الآباء والإخوان دون الأبناء والأزواج مع كون القبيلين وخاصة الأبناء محبوبين عندهم كالآباء والإخوان لأن التولي يعطي للولي أن يداخل أمور وليه ويتصرف في بعض شئون حياته ، وهذا هو المحذور الذي يستدعي النهي عن تولي الكفار حتى لا يداخلوا في أمورهم الداخلية ولا يأخذوا بمجامع قلوبهم ، ولا يكف المؤمنون ولا يستنكفوا عن الإقدام فيما يسوؤهم ويضرهم ، ومن المعلوم أن النساء والذراري لا يترقب منهم هذا الأثر السيىء إلا بواسطة ، فلذلك خص النهي عن التولي بالآباء والإخوان فهم الذين يخاف نفوذهم في قلوب المؤمنين وتصرفهم في شئونهم.

وقد ورد النهي عن اتخاذ الكفار أولياء في مواضع من كلامه تقدم بعضها في سورة المائدة وآل عمران والنساء والأعراف وفيها إنذار شديد وتهديدات بالغة كقوله تعالى:"و من يتولهم منكم فإنه منهم:"المائدة: - 51 ، وقوله:"و يحذركم الله نفسه": آل عمران: - 28 ، وقوله:"و من يفعل ذلك فليس من الله في شيء:"آل عمران: - 28 ، وقوله:"أ تريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا:"النساء: - 144.

وأنذرهم في الآية التي نحن فيها بقوله:"و من يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون"ولم يقل:"و من يتولهم منكم فإنه منهم"إذ من الجائز أن يتوهم بعض هؤلاء أنه منهم لأنهم آباؤه وإخوانه فلا يؤثر فيه التهديد أثرا جديدا يبعثه نحو رفض الولاية.

وكيف كان فقوله:"و من يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون"بما في الجملة من المؤكدات كاسمية الجملة ، ودخول اللام على الخبر وضمير الفصل يفيد تحقق الظلم منهم واستقراره فيهم ، وقد كرر الله في كلامه أن الله لا يهدي القوم الظالمين ، وقال في نظير الآية من سورة المائدة:"و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"فهؤلاء محرومون من الهداية الإلهية لا ينفعهم شيء من أعمالهم الحسنة في جلب السعادة إليهم ، والسماحة بالفوز والفلاح عليهم.

قوله تعالى:"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم"إلى آخر الآية التفت من مخاطبتهم إلى مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إيماء إلى الإعراض عنهم لما يستشعر من حالهم أن قلوبهم مائلة إلى الاشتغال بما لا ينفع معه النهي عن تولي آبائهم وإخوانهم الكافرين ، وإيجاد الداعي في نفوسهم إلى الصدور عن أمر الله ورسوله ، وقتال الكافرين جهادا في سبيل الله وإن كانوا آباءهم وإخوانهم.

والذي يمنعهم من ذلك هو الحب المتعلق بغير الله ورسوله والجهاد في سبيل الله ، وقد عد الله سبحانه أصول ما يتعلق به الحب النفساني من زينة الحياة الدنيا ، وهي الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة - وهؤلاء هم الذين يجمعهم المجتمع الطبيعي بقرابة نسبية قريبة أو بعيدة أو سببية - والأموال التي اكتسبوها وجمعوها ، والتجارة التي يخشون كسادها والمساكن التي يرضونها - وهذه أصول ما يقوم به المجتمع في المرتبة الثانية -.

وذكر تعالى أنهم إن تولوا أعداء الدين ، وقدموا حكم هؤلاء الأمور على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله فليتربصوا ولينتظروا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت