و في تفسير الطبري ، بإسناده عن محمد بن كعب القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه ، وقال العباس: وأنا صاحب السقاية والقائم عليها ، فقال علي: ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد ، فأنزل الله:"أ جعلتم سقاية الحاج"الآية كلها. وفي الدر المنثور ، أخرج الفاريابي عن ابن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس: أي عم أ لا تهاجر؟ أ لا تلحق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ فقال: أعمر المسجد الحرام وأحجب البيت فأنزل الله:"أ جعلتم سقاية الحاج"الآية ، وقال لقوم قد سماهم: أ لا تهاجرون؟ أ لا تلحقون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ فقالوا: نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا فأنزل الله تعالى:"قل إن كان آباؤكم"الآية كلها وفيه ، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال العباس حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله:"أ جعلتم سقاية الحاج"الآية ، يعني أن ذلك كان في الشرك فلا أقبل ما كان في الشرك. وفيه ، أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج ، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام ، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك يوم الجمعة ، ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله:"أ جعلتم سقاية الحاج"إلى قوله:"و الله لا يهدي القوم الظالمين".
أقول: قال صاحب المنار في تفسيره بعد إيراد هذه الروايات الأربع الأخيرة: والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجابته - من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة - وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة ، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية ، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
انتهى.
أما ما ذكره من رجحان رواية النعمان على غيرها بصحة السند ففيه أولا أن رواية القرظي أيضا في مضمونها موافقة لرواية الحاكم في المستدرك وقد صححها.
وثانيا: أن روايات التفسير إذا كانت آحادا لا حجية لها إلا ما وافق مضامين الآيات بقدر ما يوافقها على ما بين في فن الأصول فإن الحجية الشرعية تدور مدار الآثار الشرعية المترتبة فتنحصر في الأحكام الشرعية وأما ما وراءها كالروايات الواردة في القصص والتفسير الخالي عن الحكم الشرعي فلا حجية شرعية فيها.
وأما الحجية العقلية أعني العقلائية فلا مسرح لها بعد توافر الدس والجعل في الأخبار سيما أخبار التفسير والقصص إلا ما تقوم قرائن قطعية يجوز التعويل عليها على صحة متنه ، ومن ذلك موافقة متنه لظواهر الآيات الكريمة.
فالذي يهم الباحث عن الروايات غير الفقهية أن يبحث عن موافقتها للكتاب فإن وافقتها فهي الملاك لاعتبارها ولو كانت مع ذلك صحيحة السند فإنما هي زينة زينت بها وإن لم توافق فلا قيمة لها في سوق الاعتبار.
وأما ترك البحث عن موافقة الكتاب ، والتوغل في البحث عن حال السند - إلا ما كان للتوسل إلى تحصيل القرائن - ثم الحكم باعتبار الرواية بصحة سندها ثم تحميل ما يدل عليه متن الرواية على الكتاب ، واتخاذه تبعا لذلك كما هو دأب كثير منهم فمما لا سبيل إليه من جهة الدليل.
وأما ما ذكره من رجحان رواية النعمان على غيرها من جهة المتن مبينا ذلك بأن الآيات تدل على أن موضوع المساواة أو المفاضلة كان بين خدمة البيت أو حجابته وهي من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ، وبين الإيمان والجهاد والهجرة وهي من أعمال البر النفسية والبدنية الشاقة ، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
انتهى.