ففيه أولا: أن الذي ذكره من مدلول الآيات مشترك بين جميع ما أورده من الروايات: أما رواية ابن عباس التي مضمونها وقوع الكلام في المساواة أو المفاضلة حين أسر العباس يوم بدر بين العباس وبين المسلمين حيث عيروه فقد ذكر فيها صريحا المقايسة بين الإسلام والهجرة والجهاد وبين سقاية الحاج وعمارة المسجد وفك العاني ، وهناك روايات أخر في معناه.
وأما رواية ابن سيرين الدالة على وقوع النزاع بين علي والعباس بمكة حين دعاه إلى الهجرة واللحوق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابه بأن له عمارة المسجد الحرام وحجابة البيت وقد روى هذا المعنى ابن مردويه عن الشعبي وفيها: أن العباس قال لعلي: أنا عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنت ابن عمه ، وإلي سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، فأنزل الله:"أ جعلتم سقاية الحاج"الآية. ورواه أيضا ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عبيدة وفيها: أن العباس قال لعلي: أ ولست في أفضل من الهجرة؟ أ لست أسقي الحاج وأعمر المسجد الحرام فنزلت هذه الآية.
وعلى أي حال فالواقع في هذه الرواية أيضا المقايسة بين السقاية والعمارة وبين الهجرة وما يترتب عليا مما يستلزمه اللحوق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالجهاد وغيره من الأعمال الشريفة الدينية.
وأما رواية القرظي وما في معناها كالذي رواه الحاكم وصححه ، وما رواه عبد الرزاق عن الحسن قال: نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك ، وكذا رواية النعمان التي تقدمت فكون المنازعة فيها في السقاية والعمارة والإيمان والجهاد ظاهر فإذا كان الحال هذا الحال فأي مزية في رواية النعمان بن بشير توجب اختصاصها بموافقة الكتاب من بين سائر الروايات.
وثانيا: أن قوله: إن موضوع المفاضلة هي أعمال البر الهينة المستلذة كالسقاية والحجابة وأعمال البر الشاقة كالإيمان والهجرة والجهاد لا يوافق ما يدل عليه الآيات فإنها كما تقدم ظاهرة الدلالة على أن المقايسة كانت بينهم بين أجساد الأعمال الخالية عن روح الإيمان وليست من البر حينئذ وبين أعمال حية بولوج روح الإيمان فيها كالهجرة والجهاد عن إيمان بالله واليوم الآخر.
فالآيات تدل على أنهم كانوا يسوون أو يفضلون غير أعمال البر كالسقاية والعمارة من غير إيمان على أعمال البر كالجهاد عن إيمان وهجرة والهجرة عن إيمان فأين ما ذكره من أعمال البر الهينة قبال أعمال البر الشاقة؟ ودلالة الآيات - بما فيها من القيود المأخوذة - على ذلك بمكان من الظهور والجلاء فقد قيد الجهاد فيها بالإيمان بالله واليوم الآخر ، وأطلق السقاية والعمارة من غير تقييد بالإيمان ثم قال تعالى:"لا يستوون عند الله"ثم زاد:"و الله لا يهدي القوم الظالمين"وحاشا أن يكون الآتي بأعمال البر عند الله من القوم الظالمين المحرومين عن نعمة الهداية الإلهية.
حتى لو فرض أن المراد بالظالمين أولئك المسوون أو المفضلون من المؤمنين للسقاية والعمارة على الجهاد فإن المؤمن على إيمانه إذا حكم بمثل هذا الحكم فإنما هو خاط يهتدي إذا دل على الصواب لا ظالم محروم من الهداية فافهم ذلك.
وثالثا: ما تقدم من أن قوله:"كمن آمن بالله"الآية وقوله:"لا يستوون"الآية دليل على أن للشخص دخلا فيما تتضمن الآيات من الحكم.
والتدبر في الآيات الكريمة والتأمل فيما ذكرناه هنا وهناك يوضح للباحث الناقد أن أضعف الروايات وأبعدها من الانطباق على مضمون الآيات هي رواية النعمان بن بشير فإنها لا تقبل الانطباق على الآيات الكريمة بما فيها من القيود المأخوذة.
ويليها في الضعف رواية ابن سيرين وما في معناها من الروايات فإن ظاهرها أن العباس إنما دعي إلى الهجرة وهو مسلم فافتخر بالسقاية والحجابة والآيات لا تساعد على ذلك كما مر.
على أن الواقع في رواية ابن سيرين ذكر العباس للسقاية وحجابة البيت ولم يكن له حجابة إنما هي السقاية.
ويليها في الضعف رواية ابن عباس فظاهرها أن المقايسة إنما كانت بين الأعمال فقط والآية لا تساعد على ذلك.
على أن فيها أن العباس ذكر فيما ذكر سقاية الحاج وعمارة المسجد وفك العاني وهو الأسير.