و من هذا البيان يظهر أن المراد بهذه المحرمات: المحرمات الإسلامية التي عزم الله أن لا تشيع في المجتمع الإسلامي العالمي كما أن المراد بدين الحق هو الذي يعزم أن يكون هو المتبع في المجتمع.
ولازم ذلك أن يكون المراد بالمحرمات: المحرمات التي حرمها الله ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الصادع بالدعوة الإسلامية ، وأن يكون الأوصاف الثلاثة:"الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر"الآية في معنى التعليل تفيد حكمة الأمر بقتال أهل الكتاب.
وبذلك كله يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه أنه لا يعقل أن يحرم أهل الكتاب على أنفسهم ما حرم الله ورسوله علينا إلا إذا أسلموا ، وإنما الكلام في أهل الكتاب لا في المسلمين العاصين.
وجه الفساد أنه ليس من الواجب أن يكون الغرض من قتالهم أن يحرموا ما حرم الإسلام وهم أهل الكتاب بل أن لا يظهر في الناس التبرز بالمحرمات من غير مانع يمنع شيوعها والاسترسال فيها كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وأكل المال بالباطل على سبيل العلن بل يقاتلون ليدخلوا في الذمة فلا يتظاهروا بالفساد ، ويحتبس الشر فيما بينهم أنفسهم.
ولعله إلى ذلك الإشارة بقوله:"و هم صاغرون"على ما سيجيء في الكلام على ذيل الآية.
ثم وصفهم ثالثا بقوله:"و لا يدينون دين الحق"أي لا يأخذونه دينا وسنة حيوية لأنفسهم.
وإضافة الدين إلى الحق ليست من إضافة الموصوف إلى صفته على أن يكون المراد الدين الذي هو حق بل من الإضافة الحقيقة ، والمراد به الدين الذي هو منسوب إلى الحق لكون الحق هو الذي يقتضيه للإنسان ويبعثه إليه ، وكون هذا الدين يهدي إلى الحق ويصل متبعيه إليه فهو من قبيل قولنا طريق الحق وطريق الضلال بمعنى الطريق الذي هو للحق والطريق الذي هو للضلال أي إن غايته الحق أو غايته الضلال.
وذلك أن المستفاد من مثل قوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم:"الروم: - 30 ، وقوله:"إن الدين عند الله الإسلام:"آل عمران: - 19 ، وسائر ما يجري هذا المجرى من الآيات أن لهذا الدين أصلا في الكون والخلقة والواقع الحق يدعو إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويندب الناس إلى الإسلام والخضوع له ويسمى اتخاذه سنة في الحياة إسلاما لله تعالى فهو يدعو إلى ما لا مناص للإنسان عن استجابته والتسليم له وهو الخضوع للسنة العملية الاعتبارية التي يهدي إليها السنة الكونية الحقيقية ، وبعبارة أخرى التسليم لإرادة الله التشريعية المنبعثة عن إرادته التكوينية.
وبالجملة للحق الذي هو الواقع الثابت دين وسنة ينبعث منه كما أن للضلال والغي دينا يدعو إليه ، والأول اتباع للحق كما أن الثاني اتباع للهوى ، قال تعالى:"و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض".
والإسلام دين الحق بمعنى أنه ستة التكوين والطريقة التي تنطبق عليها الخلقة وتدعو إليها الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم.
فتلخص مما تقدم أولا: أن المراد بعدم إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر عدم تلبسهم بالإيمان المقبول عند الله ، وبعدم تحريمهم ما حرم الله ورسوله عدم مبالاتهم في التظاهر باقتراف المناهي التي يفسد التظاهر بها المجتمع البشري ويخيب بها سعي الحكومة الحقة الجارية فيه ، وبعدم تدينهم بدين الحق عدم استنانهم بسنة الحق المنطبقة على الخلقة والمنطبقة عليها الخلقة والكون.
وثانيا: أن قوله:"الذين لا يؤمنون بالله"إلى آخر الأوصاف الثلاثة مسوق لبيان الحكمة في الأمر بقتالهم ويترتب عليه فائدة التحريض والتحضيض عليه.
وثالثا: أن المراد قتال أهل الكتاب جميعا لا بعضهم بجعل"من"في قوله:"من الذين أوتوا الكتاب"للتبعيض.
قوله تعالى:"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"قال الراغب في المفردات: ، الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة ، وتسميتها بذلك للاجتزاء بها في حقن دمهم.
انتهى.
وفي المجمع: ، الجزية فعلة من جزى يجزي مثل العقدة والجلسة وهي عطية مخصوصة جزاء لهم على تمسكهم بالكفر عقوبة لهم.
عن علي بن عيسى.
انتهى.
والاعتماد على ما ذكره الراغب فإنه المتأيد بما ذكرناه آنفا أن هذه عطية مالية مصروفة في جهة حفظ ذمتهم وحقن دمائهم وحسن إدارتهم.