فهرس الكتاب

الصفحة 1902 من 4314

و قال الراغب أيضا: الصغر والكبر من الأسماء المتضادة التي تقال عند اعتبار بعضها ببعض فالشيء قد يكون صغيرا في جنب الشيء وكبيرا في جنب آخر - إلى أن قال - يقال: صغر صغرا - بالكسر فالفتح - في ضد الكبير وصغر صغرا وصغارا - بالفتحتين فيهما - في الذلة.

والصاغر الراضي بالمنزلة الدنية:"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"انتهى.

والاعتبار بما ذكر في صدر الآية من أوصافهم المقتضية لقتالهم ثم إعطاؤهم الجزية لحفظ ذمتهم يفيد أن يكون المراد بصغارهم خضوعهم للسنة الإسلامية والحكومة الدينية العادلة في المجتمع الإسلامي فلا يكافئوا المسلمين ولا يبارزوهم بشخصية مستقلة حرة في بث ما تهواه أنفسهم وإشاعة ما اختلقته هوساتهم من العقائد والأعمال المفسدة للمجتمع الإنساني مع ما في إعطاء المال بأيديهم من الهوان.

فظاهر الآية أن هذا هو المراد من صغارهم لا إهانتهم والسخرية بهم من جانب المسلمين أو أولياء الحكومة الدينية فإن هذا مما لا يحتمله السكينة والوقار الإسلامي وإن ذكر بعض المفسرين.

واليد: الجارحة من الإنسان وتطلق على القدرة والنعمة فإن كان المراد به في قوله:"حتى يعطوا الجزية عن يد"هو المعنى الأول فالمعنى حتى يعطوا الجزية متجاوزة عن يدهم إلى يدكم ، وإن كان المراد هو المعنى الثاني فالمعنى: حتى يعطوا الجزية عن قدرة وسلطة لكم عليهم وهم صاغرون غير مستعلين عليكم ولا مستكبرين.

فمعنى الآية - والله أعلم - قاتلوا أهل الكتاب لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا مقبولا غير منحرف عن الصواب ولا يحرمون ما حرمه الإسلام مما يفسد اقترافه المجتمع الإنساني ولا يدينون دينا منطبقا على الخلقة الإلهية قاتلوهم ودوموا على قتالهم حتى يصغروا عندكم ويخضعوا لحكومتكم ، ويعطوا في ذلك عطية مالية مضروبة عليهم يمثل صغارهم ، ويصرف في حفظ ذمتهم وحقن دمائهم وحاجة إدارة أمورهم.

قوله تعالى:"و قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله"إلى آخر الآية المضاهاة المشاكلة.

والإفك على ما ذكره الراغب كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه فمعنى"يؤفكون"يصرفون في اعتقادهم عن الحق إلى الباطل.

وقوله:"و قالت اليهود عزير ابن الله"عزير هذا هو الذي يسميه اليهود عزرا غيرت اللفظة عند التعريب كما غير لفظ"يسوع"فصار بالتعريب"عيسى"ولفظ"يوحنا"فصار كما قيل"يحيى".

وعزرا هذا هو الذي جدد دين اليهود وجمع أسفار التوراة وكتبها بعد ما افتقدت في غائلة بخت نصر ملك بابل الذي فتح بلادهم وخرب هيكلهم وأحرق كتبهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم والباقين من ضعفائهم وسيرهم معه إلى بابل فبقوا هنالك ما يقرب من قرن ثم لما فتح"كورش"ملك إيران بابل شفع لهم عنده عزرا وكان ذا وجه عنده فأجاز له أن يعيد اليهود إلى بلادهم وأن يكتب لهم التوراة ثانيا بعد ما افتقدوا نسخها وكان ذلك في حدود سنة 457 قبل المسيح على ما ذكروا فراجت بينهم ثانيا ما جمعه عزرا من التوراة وإن كانوا افتقدوا أيضا في زمن أنتيوكس صاحب سورية الذي فتح بلادهم حدود سنة 161 قم وتتبع مساكنهم فأحرق ما وجده من نسخ التوراة وقتل من وجدت عنده أو أخذت عليه على ما في كتب التاريخ.

ولما نالهم من خدمته عظموا قدره واحترموا أمره وسموه ابن الله ولا ندري أ كان دعاؤه بالبنوة بالمعنى الذي يسمي به النصارى المسيح ابن الله - والمراد أن فيه شيئا من جوهر الربوبية أو هو مشتق منه أو هو هو - أو أنها تسمية تشريفية كما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه؟ وإن كان ظاهر سياق الآية التالية:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم"الآية يؤيد الثاني على ما سيأتي.

وقد ذكر بعض المفسرين: أن هذا القول منهم:"عزير ابن الله"كلمة تكلم بها بعض اليهود ممن في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) لا جميع اليهود فنسب إلى الجميع كما أن قولهم:"إن الله فقير ونحن أغنياء"وكذا قولهم:"يد الله مغلولة"مما قاله بعض يهود المدينة ممن عاصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنسب في كلامه تعالى إلى جميعهم لأن البعض منهم راضون بما عمله البعض الآخر ، والجميع ذو رأي متوافق الأجزاء وروية متشابهة التأثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت