و قوله:"و قالت النصارى المسيح ابن الله"كلمة قالتها النصارى ، وقد تقدم الكلام فيها وفي ما يتعلق بها في قصة المسيح (عليه السلام) من سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب.
وقوله:"يضاهئون قول الذين كفروا من قبل"تنبىء الآية عن أن القول بالبنوة منهم مضاهاة ومشاكلة لقول من تقدمهم من الأمم الكافرة وهم الوثنيون عبدة الأصنام فإن من آلهتهم من هو إله أب إله ومن هو إله ابن إله و ، من هي إلهة أم إله أو زوجة إله ، وكذا القول بالثالوث مما كان دائرا بين الوثنيين من الهند والصين ومصر القديم وغيرهم وقد مر نبذة من ذلك فيما تقدم من الكلام في قصة المسيح في ثالث أجزاء هذا الكتاب.
وتقدم هناك أن تسرب العقائد الوثنية في دين النصارى ومثلهم اليهود من الحقائق التي كشف عنها القرآن الكريم في هذه الآية:"يضاهئون قول الذين كفروا من قبل".
وقد اعتنى جمع من محققي هذا العصر بتطبيق ما تضمنته كتب القوم أعني العهدين: العتيق والجديد على ما حصل من مذاهب البوذيين والبرهمائيين فوجدوا معارف العهدين منطبقة على ذلك حذو النعل بالنعل حتى كثيرا من القصص والحكايات الموجودة في الأناجيل فلم يبق ذلك ريبا لأي باحث في أصالة قوله تعالى:"يضاهئون"الآية في هذا الباب.
ثم دعا عليهم بقوله:"قاتلهم الله أنى يؤفكون"وختم به الآية.
قوله تعالى:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم"الأحبار جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو العالم وغلب استعماله في علماء اليهود والرهبان جمع راهب وهو المتلبس بلباس الخشية وغلب على المتنسكين من النصارى.
واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله هو إصغاؤهم لهم وإطاعتهم من غير قيد وشرط ولا يطاع كذلك إلا الله سبحانه.
وأما اتخاذهم المسيح بن مريم ربا من دون الله فهو القول بألوهيته بنحو كما هو المعروف من مذاهب النصارى ، وفي إضافة المسيح إلى مريم إشارة إلى عدم كونهم محقين في هذا الاتخاذ لكونه إنسانا ابن مرأة.
ولكون الاتخاذين مختلفين من حيث المعنى فصل بينهما فذكر اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله أولا ، ثم عطف عليه قوله:"و المسيح بن مريم".
والكلام كما يدل على اختلاف الربوبيتين كذلك لا يخلو عن دلالة على أن قولهم ببنوة عزير وبنوة المسيح على معنيين مختلفين ، وهو البنوة التشريفية في عزير والبنوة بنوع من الحقيقة في المسيح (عليه السلام) فإن الآية أهملت ذكر اتخاذهم عزيرا ربا من دون الله ، ولم يذكر مكانه إلا اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله.
فهو رب عندهم بهذا المعنى إما لاستلزام التشريف بالبنوة ذلك أو لأنه من أحبارهم وقد أحسن إليهم في تجديد مذهبهم ما لا يقاس به إحسان غيره ، وأما المسيح فبنوته غير هذه البنوة.
وقوله:"و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو"جملة حالية أي اتخذوا لهم أربابا والحال هذه.
وفي الكلام دلالة أولا: على أن الاتخاذ بالربوبية بواسطة الطاعة كالاتخاذ بها بواسطة العبادة فالطاعة إذا كانت بالاستقلال كانت عبادة ، ولازم ذلك أن الرب الذي هو المطاع من غير قيد وشرط وعلى نحو الاستقلال إله ، فإن الإله هو المعبود الذي من حقه أن يعبد ، يدل على ذلك كله قوله تعالى:"و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا"حيث بدل الرب بالإله ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وما أمروا إلا ليتخذوا ربا واحدا فالاتخاذ للربوبية بواسطة الطاعة المطلقة عبادة ، واتخاذ الرب معبودا اتخاذ له إلها فافهم ذلك.
وثانيا: على أن الدعوة إلى عبادة الله وحده فيما وقع من كلامه تعالى كقوله تعالى:"لا إله إلا أنا فاعبدون:"الأنبياء: - 25 وقوله فلا تدع مع الله إلها آخر": الشعراء: - 213 وأمثال ذلك كما أريد بها قصر العبادة بمعناها المتعارف فيه تعالى كذلك أريد قصر الطاعة فيه تعالى ، وذلك أنه تعالى لم يؤاخذهم في طاعتهم لأحبارهم ورهبانهم إلا بقوله عز من قائل:"و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو"."
وعلى هذا المعنى يدل قوله تعالى:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم:"يس - 61 ، وهذا باب ينفتح منه ألف باب.