و في قوله:"لا إله إلا هو"تتميم لكلمة التوحيد التي يتضمنها قوله:"و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا"فإن كثيرا من عبدة الأصنام كانوا يعتقدون بوجود آلهة كثيرة ، وهم مع ذلك لا يخصون بالعبادة إلا واحدا منها فعبادة إله واحد لا يتم به التوحيد إلا مع القول بأنه لا إله إلا هو.
وقد جمع تعالى بين العبادتين مع الإشارة إلى مغايرة ما بينهما وأن قصر العبادة بكلا معنييها عليه تعالى هو معنى الإسلام له سبحانه الذي لا مفر منه للإنسان فيما أمر به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من دعوة أهل الكتاب بقوله:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون:"آل عمران: - 64.
وقوله تعالى في ذيل الآية:"سبحانه عما يشركون"تنزيه له تعالى عما يتضمنه قولهم بربوبية الأحبار والرهبان ، وقولهم بربوبية المسيح (عليه السلام) من الشرك.
والآية بمنزلة البيان التعليلي لقوله تعالى في أول الآيات:"الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر"فإن اتخاذ إله أو آلهة دون الله سبحانه لا يجامع الإيمان بالله ، ولا الإيمان بيوم لا ملك فيه إلا لله.
قوله تعالى:"يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم إلى آخر الآية ، الإطفاء إخماد النار أو النور ، والباء في قوله:"بأفواههم"للآلة أو السببية."
وإنما ذكر الأفواه لأن النفخ الذي يتوسل به إلى إخماد الأنوار والسرج يكون بالأفواه ، قال في المجمع ،: وهذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير شأنهم وتضعيف كيدهم لأن الفم يؤثر في الأنوار الضعيفة دون الأقباس العظيمة.
انتهى.
وقال في الكشاف: ، مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ، ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق والإضاءة ليطفئه بنفخة ويطمسه.
انتهى ، والآية إشارة إلى حال الدعوة الإسلامية ، وما يريده منه الكافرون ، وفيها وعد جميل بأن الله سيتم نوره.
قوله تعالى:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"الهدى الهداية الإلهية التي قارنها برسوله ليهدي بأمره ، ودين الحق هو الإسلام بما يشتمل عليه من العقائد والأحكام المنطبقة على الواقع الحق.
والمعنى أن الله هو الذي أرسل رسوله وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الهداية - أو الآيات والبينات - ودين فطري ليظهر وينصر دينه الذي هو دين الحق على كل الأديان ولو كره المشركون ذلك.
وبذلك ظهر أن الضمير في قوله:"ليظهره"راجع إلى دين الحق كما هو المتبادر من السياق ، وربما قيل: إن الضمير راجع إلى الرسول ، والمعنى ليظهر رسوله ويعلمه معالم الدين كلها وهو بعيد.
وفي الآيتين من تحريض المؤمنين على قتال أهل الكتاب والإشارة إلى وجوب ذلك عليهم ما لا يخفى فإنهما تدلان على أن الله أراد انتشار هذا الدين في العالم البشري فلا بد من السعي والمجاهدة في ذلك ، وأن أهل الكتاب يريدون أن يطفئوا هذا النور بأفواههم فلا بد من قتالهم حتى يفنوا أو يستبقوا بالجزية والصغار ، وأن الله سبحانه يأبى إلا أن يتم نوره ، ويريد أن يظهر هذا الدين على غيره فالدائرة بمشية الله لهم على أعدائهم فلا ينبغي لهم أن يهنوا ويحزنوا وهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله"الظاهر أن الآية إشارة إلى بعض التوضيح لقوله في أول الآيات: ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق" كما أن الآية السابقة كالتوضيح لقوله فيها:"الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر"."
أما إيضاح قوله تعالى:"و لا يحرمون ما حرم الله ورسوله"بقوله:"إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل"فهو إيضاح بأوضح المصاديق وأهمها تأثيرا في إفساد المجتمع الإنساني الصالح ، وإبطال غرض الدين.