لكن الذي يوجد من بعض كلامه في الروايات يكذبه فإنه لا يستند في شيء مما قاله إلى اجتهاده ورأي نفسه بل بقوله: ما قلت لهم إلا ما سمعت من نبيهم ، وقال خليلي كذا وكذا ، وقد صحت الرواية واستفاضت من طرق الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:"ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر".
وبذلك يظهر فساد ما ذكره شداد بن أوس فيما روى عنه أحمد والطبراني قال:"كان أبو ذر يسمع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يخرج إلى باديته ثم يرخص فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك فيحفظ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الرخصة فلا يسمعها أبو ذر فيأخذ أبو ذر بالأمر الأول الذي سمع قبل ذلك."
وذلك أن الذي ذكر من أبي ذر أنما هو قوله: إن آية الكنز لا تختص بأهل الكتاب بل يعمهم والمسلمين ، وليس هذا مصداقا لما ذكره في الرواية من العزيمة والرخصة ، وكذا قوله: إن تأدية الزكاة فحسب لا يكفي في جواز الكنز وعدم إنفاقه في الواجب من سبيل الله ، وكيف يتصور في حقه أن لا يكون يسمع أن الإنفاق منه مستحب كما أن منه واجبا وأن لا يعلم أن أدلة الإنفاق المندوب أحسن مبين لآية الكنز.
وأوهن من ذلك ما تعلق به الطبري في تاريخه فقد روي عن شعيب عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر أ لا تعجب إلى معاوية يقول: المال مال الله ألا إن كل شيء لله: كأنه يريد أن يحتجبه دون المسلمين ، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر أ لسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره؟ قال: فلا تقله ، قال: فإني لا أقول: إنه ليس لله ، ولكن سأقول: مال المسلمين. قال: وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له: من أنت؟ أظنك والله يهوديا؟ فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به فأتى به معاوية فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر. وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء وأسوأ الفقراء بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكان من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. الحديث.
ومحصله أن أبا ذر إنما بادر إلى ما بادر وألح عليه بتسويل من ابن السوداء وهذان اللذان روي عنهما الحديث وعنهما يروى جل قصص عثمان أعني شعيبا وسيفا هما من الكذابين الوضاعين المشهورين ذكرهما علماء الرجال وقدحوا فيهما.
والذي اختلقاه من حديث ابن السوداء وهو الذي سموه عبد الله بن سبإ ، وإليهما ينتهي حديثه ، من الأحاديث الموضوعة ، وقد قطع المحققون من أصحاب البحث أخيرا أن ابن السوداء هذا من الموضوعات الخرافية التي لا أصل لها.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما من ذي كنز لا يؤدي حقه إلا جيء به يوم القيامة تكوى به جبينه وجبهته ، وقيل له: هذا كنزك الذي بخلت به. وفيه ، أخرج الطبراني في الأوسط وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن علي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم القدر الذي يسع فقراءهم ، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يمنع أغنياؤهم. ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا أو يعذبهم عذابا أليما. وفيه ، أخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن أبي سعيد الخدري عن بلال قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا بلال الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا. قلت: وكيف لي بذلك؟ قال: إذا رزقت فلا تخبأ ، وإذا سئلت فلا تمنع ، قلت: وكيف لي بذلك؟ قال: هو ذاك وإلا فالنار.
كلام في معنى الكنز