فهرس الكتاب

الصفحة 1910 من 4314

و يمكن تتميم ما ذكره بأنهم يكبون على وجوههم ورءوسهم منكوسة على ما يشعر به الأخبار وبعض الآيات ثم تكوى أعضاؤهم من فوق فينتج ذلك كي الجباه والجنوب والظهور.

وفي الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي ذر قال: بشر أصحاب الكنوز بكي في الجباه وفي الجنوب وفي الظهور. وفيه ، أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام فقرأت:"و الذين يكنزون الذهب والفضة - ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم"فقال معاوية: ما هذه فينا هذه في أهل الكتاب. قلت أنا: إنها لفينا وفيهم. وفيه ، أخرج مسلم وابن مردويه عن الأحنف بن قيس قال: جاء أبو ذر فقال: بشر الكانزين بكي من قبل ظهورهم يخرج من جنوبهم ، وكي من جباههم يخرج من أقفائهم ، فقلت: ما ذا؟ قال: ما قلت إلا ما سمعت من نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) . وفيه ، أخرج أحمد في الزهد عن أبي بكر المنكدر قال: بعث حبيب بن سلمة إلى أبي ذر وهو أمير الشام بثلاثمائة دينار ، وقال: استعن بها على حاجتك فقال أبو ذر: أرجع بها إليه أ ما وجد أحدا أغر بالله منا ما لنا إلا الظل نتوارى به ، وثلاثة من غنم تروح علينا ، ومولاة لنا تصدق علينا بخدمتها ثم إني لأنا أتخوف الفضل.

وفيه ، أخرج البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملإ من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه فيتدلدل. ثم ولى وجلس إلى سارية فتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو؟ فقلت: لا أرى القوم إلا قد كرهوا ما قلت ، قال: إنهم لا يعقلون شيئا قال لي خليلي. قلت: من خليلك؟ قال: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أ تبصر أحدا؟ قلت: نعم. قال: ما أحب أن يكون لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير وإن هؤلاء لا يعقلون إنما يجمعون للدنيا والله لا أسألهم دنيا ، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله عز وجل. وفي تاريخ الطبري ، عن شعيب عن سيف عن محمد بن عوف عن عكرمة عن ابن عباس: أن أبا ذر دخل على عثمان وعنده كعب الأحبار فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف ، وقد ينبغي لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات. فقال: كعب من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه ، فرفع أبو ذر محجنه فضربه فشجه فاستوهبه عثمان فوهبه له وقال: يا أبا ذر اتق الله واكفف يدك ولسانك ، وقد كان قال له: يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا.

أقول: وقصص أبي ذر واختلافه مع عثمان ومعاوية معروفة مضبوطة في كتب التاريخ والتدبر فيما مر من أحاديثه وما قاله لمعاوية إن الآية لا تختص بأهل الكتاب وما خاطب به عثمان وواجه به كعبا يدل على أنه إنما فهم من الآية ما قدمناه أنها توعد على الكف عن الإنفاق في السبيل الواجب.

ويؤيده تحليل الحال الحاضر يومئذ فقد كان الناس يومئذ انقسموا قسمين وتبعضوا شطرين عامة لا يقدرون على قوت اليوم ، ولا يجدون ما يستر عوراتهم وما لهم إلى أوجب حوائجهم سبيل ، وخاصة أسكرتهم الدنيا بجماع ما فيها من مال ومنال يكنزون مئات الألوف وألوف الألوف من عطايا الخلافة وغنائم الحروب ومال الخراج.

ويكفيك في التبصر فيه أن تراجع ما ضبطته التواريخ من أموال الصحابة من نقد ورقيق وضيعة وشامخات القصور وناجمات الدور ، وما أحدثه معاوية وسائر بني أمية بالشام وغيره من أزياء قيصرانية وكسروانية.

والإسلام لا يرتضي شيئا من ذلك ولا ينفذ هذا الاختلاف الفاحش دون أن تتقارب الطبقات بالإنفاق ، وتصلح عامة الأوضاع بانعطاف الأغنياء على الفقراء ، والأقوياء على الضعفاء.

وربما قيل: إن أبا ذر كان يرى باجتهاد منه أن الزائد على القدر الواجب من المال الذي ينفق لسد الجوع وستر العورة كنز يجب إنفاقه في سبيل الله أو أنه كان يدعو إلى الزهد في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت