فهرس الكتاب

الصفحة 1916 من 4314

و من المعلوم أن الشهور الشمسية وضعية اصطلاحية وإن كانت الفصول الأربعة والسنة الشمسية على غير هذا النعت فالشهور الاثنا عشر التي هي ثابتة ذات أصل ثابت هي الشهور القمرية.

فمعنى الآية إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا تتألف منها السنون ، وهذه العدة هي التي في علم الله سبحانه ، وهي التي أثبتها في كتاب التكوين يوم خلق السماوات والأرض وأجرى الحركات العامة التي منها حركة الشمس وحركة القمر حول الأرض وهي الأصل الثابت في الكون لهذه العدة.

ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بكتاب الله في الآية القرآن أو كتاب مكتوب فيه عدة الشهور على حد الكتب والدفاتر التي عندنا المؤلفة من قراطيس وأوراق يضبط فيها الألفاظ بخطوط خاصة وضعية.

قوله تعالى:"منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم"الحرم جمع حرام وهو الممنوع منه ، والقيم هو القائم بمصلحة الناس المهيمن على إدارة أمور حياتهم وحفظ شئونها.

وقوله:"منها أربعة حرم"هي الأشهر الأربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب بالنقل القطعي ، والكلمة كلمة تشريع بدليل قوله:"ذلك الدين القيم"إلخ.

وإنما جعل الله هذه الأشهر الأربعة حرما ليكف الناس فيها عن القتال وينبسط عليهم بساط الأمن ، ويأخذوا فيها الأهبة للسعادة ، ويرجعوا إلى ربهم بالطاعات والقربات.

وكانت حرمتها من شريعة إبراهيم ، وكانت العرب تحترمها حتى في الجاهلية حينما كانوا يعبدون الأوثان غير أنهم ربما كانوا يحولون الحرمة من شهر إلى شهر سنة أو أزيد منها بالنسيء الذي تتعرض له الآية التالية.

وقوله:"ذلك الدين القيم"، الإشارة إلى حرمة الأربعة المذكورة ، والدين كما تطلق على مجموع ما أنزله الله على أنبيائه تطلق على بعضها فالمعنى أن تحريم الأربعة من الشهور القمرية هو الدين الذي يقوم بمصالح العباد.

كما يشير إليه في قوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام"الآية: المائدة: - 97 وقد تقدم الكلام فيه في الجزء السادس من الكتاب.

وقوله:"فلا تظلموا فيهن أنفسكم"الضمير إلى الأربعة إذ لو كان راجعا إلى"اثنا عشر"المذكور سابقا لكان الظاهر أن يقال"فيها"كما نقل عن الفراء ، وأيضا لو كان راجعا إلى"اثنا عشر"وهي تمام السنة لكان قوله:"فلا تظلموا فيهن أنفسكم"كما قيل في معنى قولنا: فلا تظلموا أبدا أنفسكم ، وكان الكلام متفرعا على كون عدة الشهور عند الله اثني عشر شهرا ، ولا تفرع له عليه ظاهرا فالمعنى لما كانت هذه الأربعة حرما تفرع على حرمتها عند الله أن تكفوا فيها عن ظلم أنفسكم رعاية لحرمتها وعظم منزلتها عند الله سبحانه.

فالنهي عن الظلم فيها يدل على عظم الحرمة وتأكدها لتفرعها على حرمتها أولا ولأنها نهي خاص بعد النهي العام كما يفيده قولنا: لا تظلم أبدا ولا تظلم في زمان كذا.

والجملة أعني قوله:"فلا تظلموا فيهن أنفسكم"وإن كانت بحسب إطلاق لفظها نهيا عن كل ظلم ومعصية لكن السياق يدل على كون المقصود الأهم منها النهي عن القتال في الأشهر الحرم.

قوله تعالى:"و قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين"قال الراغب في المفردات ،: الكف كف الإنسان وهي ما بها يقبض ويبسط ، وكففته أصبت كفه ، وكففته أصبته بالكف ودفعته بها ، وتعورف الكف بالدفع على أي وجه كان ، بالكف كان أو غيرها حتى قيل: رجل مكفوف لمن قبض بصره.

وقوله:"و ما أرسلناك إلا كافة للناس أي كافا لهم عن المعاصي ، والهاء فيه للمبالغة كقولهم: راوية وعلامة ونسابة ، وقوله:"و قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة"قيل: معناه كافين لهم كما يقاتلونكم كافين وقيل معناه جماعة كما يقاتلونكم جماعة ، وذلك أن الجماعة يقال لهم: الكافة كما يقال لهم: الوازعة لقوتهم باجتماعهم ، وعلى هذا قوله:"يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة"انتهى."

وقال في المجمع ،: كافة بمعنى الإحاطة مأخوذ من كفة الشيء وهي طرفه وإذا انتهى الشيء إلى ذلك كف عن الزيادة ، وأصل الكف المنع.

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت